أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
465
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والمفسرين على أنّ « مِنَ » بمعنى بدل كقوله : لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً « 1 » أي : بدلكم ، ومثله قول الآخر : 2504 - جارية لم تأكل المرقّقا * ولم تذق من البقول الفستقا « 2 » وقول الآخر : 2505 - فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبرّدة باتت على طهيان « 3 » إلا أنّ أكثر النحويين لم يثبتوا لها هذا المعنى ، ويتأوّلون ما أوهم ذلك والتقدير هنا : اعتصمتم من الآخرة راضين بالحياة وكذلك باقيها . وقال أبو البقاء : « مِنَ الْآخِرَةِ في موضع الحال أي : بدلا من الآخرة » ، فقدّر المتعلّق كونا خاصا ، ويجوز أن يكون أراد تفسير المعنى . قوله : فِي الْآخِرَةِ متعلق بمحذوف من حيث المعنى تقديره : فما متاع الحياة الدنيا محسوبا في الآخرة . ف « محسوبا » حال من « مَتاعُ » . وقال الحوفي : « إنه متعلق بقليل وهو خبر المبتدأ » . قال : « وجاز أن يتقدّم الظرف على عامله المقرون ب « إِلَّا » لأنّ الظروف تعمل فيها روائح الأفعال . ولو قلت : « ما زيد عمرا إلا يضرب » لم يجز » . قوله تعالى : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ : هذا الشرط جوابه محذوف لدلالة قوله : « فَقَدْ نَصَرَهُ » عليه ، والتقدير : إن لا تنصروه فسينصره . وذكر الزمخشري فيه وجهين : أحدهما : ما تقدم . والثاني : قال : « إنه أوجب له النّصرة ، وجعله منصورا في ذلك الوقت فلن يخذل من بعده » . قال الشيخ : « وهذا لا يظهر منه جواب الشرط لأنّ إيجاب النصرة له أمر سبق ، والماضي لا يترتّب على المستقبل فالذي يظهر الوجه الأول » . قوله : ثانِيَ اثْنَيْنِ منصوب على الحال من مفعول « أَخْرَجَهُ » وقد تقدّم معنى الإضافة في نحو هذا التركيب عند قوله ثالِثُ ثَلاثَةٍ . وقرأت جماعة « ثانِيَ اثْنَيْنِ » بسكون الياء . قال أبو الفتح : « حكاها أبو عمرو » ووجهها أن يكون سكّن الياء تشبيها لها بالألف ، وبعضهم يخصّه بالضرورة . قوله : إِذْ هُما فِي الْغارِ « إِذْ » : بدل من « إِذْ » الأولى فالعامل فيها « فَقَدْ نَصَرَهُ » ، قال أبو البقاء : « ومن منع أن يكون العامل في البدل هو العامل في المبدل منه قدّر عاملا آخر ، أي : نصره إذ هما في الغار » . و « الْغارِ » نقب يكون في الجبل ، ويجمع على غيران ومثله : تاج وتيجان ، وقاع وقيعان . والغار أيضا نبت طيب الريح ، والغار أيضا الجماعة ، والغاران البطن والفرج . وألف الغار عن واو . قوله : إِذْ يَقُولُ بدل ثان من « إِذْ » الأولى . وقال أبو البقاء : « إنّ إذ هما في الغار ، وإذ يقول ظرفان لثاني اثنين » ، والضمير في « عَلَيْهِ » يعود على أبي بكر ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان عليه السكينة دائما . وقد تقدم القول في
--> ( 1 ) الزخرف آية ( 60 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت ليعلى بن الأحول شرح ديوان الحماسة ( 1 / 300 ) البحر ( 5 / 42 ) التهذيب « طها » .