أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

459

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

زعم أنّ المضاهأة بالهمز مأخوذة من امرأة ضهياء في لغاتها الثلاث خطأ لاختلاف المادتين ، فإن الهمزة في امرأة ضهياء زائدة في اللغات الثلاث وهي في المضاهأة أصلية . فإن قيل : لم لم يدّع أن همزة ضهياء أصلية وياؤها زائدة ؟ فالجواب أن فعيلا بفتح الياء لم يثبت . فإن قيل : فلم لم يدّع أن وزنها فعلل كجعفر ؟ فالجواب أنه قد ثبتت زيادة الهمزة في ضهياء بالمدّ فلتثبت في اللغة الأخرى ، وهذه قاعدة تصريفية . والكلام على حذف مضاف تقديره : يضاهي قولهم قول الذين ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، فانقلب ضمير رفع بعد أن كان ضمير جرّ . والجمهور على الوقف على « أفواههم » ويبتدئون ب « يُضاهِؤُنَ » وقيل : الباء تتعلّق بالفعل بعدها . وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف هذا المضاف . واستضعف أبو البقاء قراءة عاصم وليس بجيد لتواترها . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 31 إلى 35 ] اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( 35 ) قوله تعالى : وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ : عطف على « رُهْبانَهُمْ » والمفعول الثاني محذوف ، إذ التقدير : اتخذ اليهود أحبارهم أربابا ، والنصارى رهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا ، وهذا لأمن اللّبس خلط الضمير في « اتَّخَذُوا » وإن كان مقسما لليهود والنصارى ، وهذا مراد أبي البقاء في قوله : « أي واتخذوا المسيح ربّا ، فحذف الفعل وأحد المفعولين ، وجوّز فيه أيضا أن يكون منصوبا بفعل مقدر أي : وعبدوا المسيح ابن مريم » . قوله تعالى : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ : « إِلَّا أَنْ يُتِمَّ » مفعول به ، وإنما دخل الاستثناء المفرغ في الموجب لأنه في معنى النفي ، فقال الأخفش الصغير : « معنى يأبى يمنع » . وقال الفراء : « دخلت « إِلَّا » لأنّ في الكلام طرفا من الجحد » . وقال الزمخشري : « أجرى « أبى » مجرى « لم يرد » ، ألا ترى كيف قوبل « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا » بقوله : « وَيَأْبَى اللَّهُ » ، وكيف أوقع موقع : ولا يريد اللّه إلا أن يتمّ نوره » . وقال الزجاج : « إن المستثنى منه محذوف تقديره : ويأبى أي ويكره كلّ شيء إلا أن يتم نوره » . وقد جمع أبو البقاء بين مذهب الزجاج ومذهب غيره ، فجعلهما مذهبا