أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

453

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أنّها في محلّ نصب على الحال من فاعل « جاهَدُوا » أي : جاهدوا حال كونهم غير متخذين وليجة . و « وَلِيجَةً » مفعول . و « مِنْ دُونِ اللَّهِ » : إمّا مفعول ثان ، إن كان الاتخاذ بمعنى التصيير ، وإمّا متعلق بالاتخاذ إن كان على بابه . والوليجة : فعيلة من الولوج وهو الدخول . والوليجة : من يداخلك في باطن أمورك . وقال أبو عبيدة : « كلّ شيء أدخلته في شيء وليس منه فهو وليجة ، والرجل في القوم وليس منهم ، يقال له وليجة » ، ويستعمل بلفظ واحد للمفرد والمثنى والمجموع . وقد يجمع على ولائج وولج كصحيفة وصحائف وصحف . وأنشدوا لعبادة بن صفوان الغنوي : 2493 - ولائجهم في كل مبدي ومحضر * إلى كلّ من يرجى ومن يتخوّف « 1 » وقرأ الحسن : « بما يعملون » بالغيبة على الالتفات ، وبها قرأ يعقوب في رواية سلّام . قوله تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ : « أَنْ يَعْمُرُوا » اسم كان . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « مسجد اللّه » بالإفراد وهي تحمل وجهين : أن يراد به مسجد بعينه ، وهو المسجد الحرام لقوله : « وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » ، وأن يكون اسم جنس فتندرج فيه سائر المساجد ، ويدخل المسجد الحرام دخولا أوّليّا . وقرأ الباقون « مَساجِدَ » بالجمع ، وهي أيضا محتملة للأمرين . ووجه الجمع : إمّا لأنّ كلّ بقعة من المسجد الحرام يقال لها مسجد ، وإمّا لأنه قبلة سائر المساجد ، فصحّ أن يطلق عليه لفظ الجمع لذلك . قوله : شاهِدِينَ الجمهور على قراءته بالياء نصبا على الحال من فاعل « يَعْمُرُوا » . وقرأ زيد بن علي « شاهدون » بالواو رفعا على خبر ابتداء مضمر ، والجملة حال أيضا . وقرأ ابن السّميفع « يعمروا » بضم الياء وكسر الميم من أعمر رباعيا ، والمعنى : أن يعينوا على عمارته . قوله : عَلى أَنْفُسِهِمْ الجمهور على « أَنْفُسِهِمْ » جمع نفس . وقرىء « أنفسهم » بفتح الفاء ، ووجهها أن يراد بالأنفس - وهو الأشرف الأجلّ ، من النّفاسة - رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قيل : لأنه ليس بطن من بطون العرب إلا وله فيهم ولادة . وهذا المعنى منقول في تفسير قراءة الجمهور أيضا ، وهو مع هذه القراءة أوضح . قوله : وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ هذه جملة مستأنفة ، و « فِي النَّارِ » متعلق بالخبر ، وقدّم للاهتمام به ، ولأجل الفاصلة . وقال أبو البقاء : « أي : وهم خالدون في النار ، وقد وقع الظرف بين حرف العطف والمعطوف » . قلت : فيه نظر من حيث إنه يوهم أن هذه الجملة معطوفة على ما قبلها عطف المفرد على مثله تقديرا ، وليس كذلك بل هي مستأنفة ، وإذا كانت مستأنفة ، فلا يقال فيها فصل الظرف بين حرف العطف والمعطوف ، وإنما ذلك في المتعاطفين المفردين أو في تأويلهما ، وقد تقدّم تحقيق هذا في قوله تعالى : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وفي قوله : وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ . وقرأ زيد بن علي : « خالدين » بالياء نصبا على الحال من الضمير المستتر في : الجارّ قبله ، لأنّ الجارّ صار خبرا كقولك : « في الدار زيد قاعدا » ، فقد رفع زيد بن علي « شاهِدِينَ » ، ونصب « خالِدُونَ » عكس قراءة الجمهور فيهما .

--> ( 1 ) انظر البيت في البحر المحيط ( 5 / 18 ) .