أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
444
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه منصوب على إسقاط حرف الجر ، وهو « على » ، أي : على كلّ مرصد ، وهذا قول الأخفش ، وجعله مثل قول الآخر : 2470 - تحنّ فتبدي ما بها من صبابة * وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني « 1 » وهذا لا ينقاس ، بل يقتصر فيه على السماع ، كقوله تعالى : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ ، أي : على صراطك ، اتفق الكلّ على أنه على تقدير « على » . وقال بعضهم : هو على تقدير الباء ، أي : بكلّ مرصد ، نقله أبو البقاء ، وحينئذ تكون الباء بمعنى « في » ، فينبغي أن يقدر « في » ، لأن المعنى عليها ، وجعله نظير قول الشاعر : 2471 - نغالي اللّحم للأضياف نيئا * ونرخصه إذا نضج القدور « 2 » و « المرصد » : مفعل من رصده يرصده ، أي : رقبه يرقبه ، وهو يصلح للزمان والمكان والمصدر . قال عامر بن الطّفيل : 2472 - ولقد علمت وما إخالك ناسيا * إنّ المنيّة للفتى بالمرصد و « المرصاد » : المكان المختصّ بالتّرصّد . والرّصد : يقع على « الراصد » ، سواء كان مفردا أم مثنى ، أم مجموعا ، وكذلك يقع على « المرصود » . وقوله تعالى : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً يحتمل كلّ ذلك ، وكأنه في الأصل مصدر ، فلذلك التزم فيه الإفراد والتذكير . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 6 إلى 7 ] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 ) قوله : وَإِنْ أَحَدٌ . كقوله : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ في كونه من باب الاشتغال عند الجمهور . قوله : « حَتَّى يَسْمَعَ » حتى « يجوز أن تكون هنا للغاية ، وأن تكون للتعليل ، وعلى كلا التقديرين تتعلق بقوله : « فَأَجِرْهُ » . وهل يجوز أن تكون هذه المسألة من باب التنازع أم لا ؟ وفيه غموض ، وذلك أنه يجوز من حيث المعنى أن تتعلق « حَتَّى » بقوله : « اسْتَجارَكَ » ، أو بقوله : « فَأَجِرْهُ » ، إذ يجوز تقديره : وإن استجارك أحد حتّى يسمع كلام اللّه فأجره ، حتّى يسمع كلام اللّه . والجواب أنه لا يجوز عند الجمهور ، ولا من لفظي من جهة الصناعة ، ولا معنوي ، لأنا لو جعلناه من التنازع ، وأعملنا الأول مثلا ، لاحتاج الثاني إليه مضمرا على ما تقرر ، وحينئذ يلزم أن « حَتَّى » تجر المضمر ، و « حَتَّى » لا تجره إلا في ضرورة شعر كقوله : 2473 - فلا واللّه لا يلقى أناس * فتى ، حتّاك يا ابن أبي يزيد
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت ذكره الفراء في معانيه ( 2 / 383 ) ، والزجاج ( 1 / 191 ) .