أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

442

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« إنّ » بالكسر » . قلت : قوله : « بدليل » ليس زيد بقائم . . . إلى آخره » قد يظهر الفرق بينهما ، فإنّ هذا العامل ، وإن ظهر عمله فهو في حكم المعدوم ، إذ هو زائد ، فلذلك اعتبرنا الموضع معه ، بخلاف « أَنَّ » بالفتح ، فإنه عالم غير زائد ، وكان ينبغي أن يرد عليه قوله : « وأنه لا فرق بين « أَنَّ » وبين « ليت » فإنّ الفرق قائم . وذلك أن حكم الابتداء قد انتسخ مع « ليت » ، « ولعلّ » ، « وكأنّ » لفظا ومعنى ، بخلاف مع « إنّ ، وأنّ » ، فإن معناه معهما باق . وقرأ عيسى بن عمرو وزيد بن علي وابن أبي إسحاق « ورسوله » بالنصب ، وفيه وجهان : أظهرهما : أنه عطف على لفظ الجلالة . والثاني : أنه مفعول معه ، قاله الزمخشري . وقرأ الحسن « ورسوله » بالجر ، وفيها وجهان ، أحدهما : أنه مقسم به ، أي : ورسوله أن الأمر كذلك ، حذف جوابه ، لفهم المعنى . والثاني : على الجوار ، كما أنهم نعتوا ، وأكدوا على الجوار ، وقد تقدم تحقيقه . وهذه القراءة تبعد صحتها عن الحسن ، للإيهام ، حتّى يحكى أنّ أعرابيا سمع رجلاة يقرأ « ورسوله » بالجر ، فقال الأعرابيّ : إن كان اللّه قد برئ من رسوله فأنا برئ منه ، فلبّبه القارئ إلى عمر - رضي اللّه عنه - فحكى الأعرابيّ الواقعة ، فحينئذ أمر عمر بتعليم العربية . وتحكى أيضا هذه عن أمير المؤمنين عليّ ، وأبي الأسود الدؤلي - رضي اللّه عنهما - . قال أبو البقاء : « ولا يكون عطفا على « الْمُشْرِكِينَ » ، لأنه يؤدي إلى الكفر » . وهذا من الواضحات . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 4 إلى 5 ] إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) قوله : إِلَّا الَّذِينَ . فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه استثناء منقطع ، والتقدير : لكن الذين عاهدتم فأتموا إليهم عهدهم ، وإلى هذا نحا الزمخشري ، فإنه قال : « فإن قلت : مم استثنى قوله : « إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ » ؟ قلت : وجهه أن يكون مستثنى من قوله : « فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ » ، لأن الكلام خطاب للمسلمين ، ومعناه : براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ، فقولوا لهم : سيحوا إلّا الذين عاهدتم منهم ، ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم . والاستثناء بمعنى الاستدراك ، كأنه قيل - بعد أن أمروا في الناكثين - : ولكن الذين لم ينكثوا فأتمّوا إليهم عهدهم . ولا تجروهم مجراهم » . الثاني : أنه استثناء متصل ، وقبله جملة محذوفة ، تقديره : اقتلوا المشركين المعاهدين إلا الذين عاهدتم ، وفيه ضعف . الثالث : أنه مبتدأ ، والخبر قوله : « فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ » قاله أبو البقاء ، وفيه نظر ، لأن الفاء تزاد في غير موضعها ، إذ المبتدأ لا يشبه الشرط ، لأنه لأناس بأعيانهم ، وإنما يتمشى على رأي الأخفش ، إذ يجوز زيادتها مطلقا . والأولى أنه منقطع ، لأنا لو جعلناه متصلا مستثنى من « الْمُشْرِكِينَ » في أول السورة ، لأدى إلى الفصل بين المستثنى والمستثنى منه