أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
440
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
سورة التّوبة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 ) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 3 ) قوله تعالى : بَراءَةٌ . الجمهور على رفع « بَراءَةٌ » ، وفيه وجهان : أحدهما : أنها رفع بالابتداء ، والخبر قوله : إِلَى الَّذِينَ ، وجاز الابتداء بالنكرة ، لأنها تخصصت بالوصف بالجار بعدها . والثاني : أنها خبر ابتداء مضمر ، أي : هذه الآيات براءة . ويجوز في « مِنَ اللَّهِ » أن يكون متعلقا بنفس « بَراءَةٌ » ، لأنها مصدر . وهذه المادة تتعدى ب « مِنَ » ، تقول : برئت من فلان ، أبرأ براءة ، أي : انقطعت العصمة بيننا ، وعلى هذا فيجوز أن يكون المسوّغ للابتداء بالنكرة على الوجه الأول هذا . و « إِلَى الَّذِينَ » متعلّق بمحذوف على الأول ، لوقوعه خبرا ، وبنفس « بَراءَةٌ » على الثاني . ويقال : برئت ، وبرأت من الدّين ، بالكسر والفتح . وقال الواحدي : ليس فيه إلّا لغة واحدة ، كسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل » . وليس كذلك ، بل نقلهما أهل اللغة . وقرأ عيسى بن عمر « براءة » بالنصب على إضمار فعل ، أي : اسمعوا براءة . وقال ابن عطية : « أي الزموا براءة ، وفيه معنى الإغراء . وقرىء « من اللّه » بكسر نون « مِنَ » على أصل التقاء الساكنين ، أو على الاتباع لميم « مِنَ » وهي لغيّة ، فإن الأكثر فتحها مع لام التعريف ، وكسرها مع غيرها ، نحو : « من ابنك » ، وقد يعكس الأمر فيهما . وحكى أبو عمرو عن أهل نجران أنهم يقرأون كذلك ، أي بكسر النون مع لام التعريف . قوله : فَسِيحُوا . هذا على إضمار القول ، أي : قيل : سيحوا ، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب . يقال : ساح يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا ، أي : انساب ، كسيح الماء في الأماكن المنبسطة . قال طرفة : 2467 - لو خفت هذا منك ما نلتني * حتّى ترى خيلا أمامي تسيح « 1 »
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 5 ) ، القرطبي ( 8 / 64 ) ، روح المعاني ( 10 / 43 ) .