أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

433

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَإِنْ جَنَحُوا . الجنوح : الميل . وجنحت الإبل : أمالت أعناقها . قال ذو الرّمة : 2457 - إذا مات فوق الرّحل أحييت روحه * بذكراك ، والعيس المراسيل جنّح « 1 » ويقال : جنح الليل : أقبل . قال النضر بن شميل : « جنح الرجل إلى فلان ، ولفلان : إذا خضع له » . والجنوح : الاتباع أيضا ، لتضمنه الميل . قال النابغة - يصف طيرا تتبع الجيش - : 2458 - جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله * إذا ما التقى الجيشان أوّل غالب « 2 » ومنه « الجوانح » للأضلاع ، لميلها على حشوة الشخص . والجناح من ذلك ، لميلانه على الطائر . وقد تقدم الكلام على شيء من هذه المادة في البقرة ، وعلى « السّلم » . وقرأ أبو بكر عن عاصم هنا بكسر السين ، وكذا في القتال « وتدعوا إلى السّلم » ، وافقه حمزة على ما في القتال و « لِلسَّلْمِ » متعلق ب « جَنَحُوا » ، فقيل : يتعدى بها ، وب « إلى » . وقيل : هي هنا بمعنى « إلى » . وقرأ الأشهب العقيليّ « فَاجْنَحْ » بضم النون ، وهي لغة قيس ، والفتح لغة تميم . والضمير في « لَها » يعود على « السلم » ، لأنها تذكر وتؤنث . ومن التأنيث قوله : 2459 - وأفنيت للحرب آلاتها * وأعددت للسّلم أوزارها « 3 » وقال لآخر : 2460 - السّلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع « 4 » قوله : وَمَنِ اتَّبَعَكَ . فيه أوجه : أحدها : أن يكون « مَنِ » مرفوع المحل ، عطفا على الجلالة أي : يكفيك اللّه والمؤمنون . وبهذا فسّر الحسن البصريّ وجماعة ، وهو الظاهر ، ولا محذور في ذلك من حيث المعنى ، وإن كان بعض الناس استصعب كون المؤمنين يكونون كافين النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، وتأول الآية على ما سنذكره . الثاني : أن « مَنِ » مجرور المحل ، عطفا على الكاف في « حَسْبُكَ » ، وهذا رأي الكوفيين وبهذا فسّر الشّعبيّ وابن زيد ، قالا : « معناه : وحسب من اتّبعك » . الثالث : أن محله نصب على المعية . قال الزمخشري : « وَمَنِ اتَّبَعَكَ » الواو بمعنى « مع » ، وما بعده منصوب ، تقول : « حسبك وزيدا درهم » . ولا تجر ، لأن عطف الظاهر المجرور على المكنى ممتنع . وقال : 2461 - . . . * فحسبك والضحّاك سيف مهنّد « 5 »

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 2 / 1215 ) ، البحر المحيط ( 4 / 513 ) ، اللسان ( جنح ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 10 ) ، وفيه الجمعان بدل الجيشان . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 4 / 513 ) . ( 4 ) البيت لعباس بن مرداس انظر الخزانة ( 4 / 18 ) ، البحر ( 2 / 120 ) ، حاشية يس ( 2 / 286 ) . ( 5 ) عجز بيت وصدره : إذا كانت الهيجاء وأنشقت العصا * . . . انظر شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 48 ) ، المغني ( 2 / 563 ) ، القرطبي ( 8 / 42 ) ، اللسان « حسب » .