أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
40
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الأنباري خرج النصب على وجهين : أحدهما : أن الواو بمعنى الفاء . قال أبو بكر : في نصب « نُكَذِّبَ » وجهان : أحدهما : أن الواو مبدلة من الفاء ، والتقدير : يا ليتنا نردّ فلا نكذّب ونكون ، فتكون الواو هنا بمنزلة الفاء في قوله : لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ « 1 » توكيد هذا قراءة ابن مسعود وابن أبي إسحاق : « يا ليتنا نردّ فلا نكذّب » . بالفاء منصوبا . والوجه الآخر : النصب على الظرف ، ومعناه الحال ، أي : يا ليتنا نردّ غير مكذبين » . وأما قراءة ابن عامر برفع الأول ، ونصب الثاني فظاهرة مما تقدم ، لأن الأول يرتفع على حد ما تقدم من التأويلات ، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو استأنفه ، إلّا أن المنصوب يحتمل أن يكون من تمام قوله : « نُرَدُّ » ، أي : تمنوا الرّدّ مع كونهم من المؤمنين . وهذا ظاهر إذا جعلنا « وَلا نُكَذِّبَ » معطوفا على « نُرَدُّ » أو حالا منه . وأما إذا جعلنا « وَلا نُكَذِّبَ » مستأنفا فيجوز ذلك أيضا ، ولكن على سبيل الاعتراض ، ويحتمل أن يكون من تمام « وَلا نُكَذِّبَ » أي : لا يكون منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين ، ويكون قوله : « ولا نكذّب حينئذ على حاله ، أعني من احتماله العطف على « نُرَدُّ » ، أو الحالية ، أو الاستئناف ، ولا يخفى حينئذ دخول كونهم من المؤمنين في التمني ، وخروجه منه بما قررته لك . وقرىء « 2 » شاذا عكس قراءة ابن عامر ، أي : بنصب « نكذّب » ، ورفع « نكون » ، وتخريجها على ما تقدم ، إلا أنها يضعف فيها جعل « وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » حالا ، لكونه مضارعا مثبتا إلّا بتأويل بعيد ، كقوله : 1904 - . . . * نجوت وأرهنهم مالكا « 3 » أي : وأنا أرهنهم ، وقولهم : قمت وأصك عينه « 4 » ، ويدل على حذف هذا المبتدأ قراءة أبيّ : « ونحن نكون من المؤمنين » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 28 إلى 29 ] بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) قوله : بَلْ بَدا . بل هنا لانتقال من قصة إلى أخرى ، وليست للإبطال ، وعبارة بعضهم توهم أن فيها إبطالا لكلام الكفرة ، فإنّه قال : « بَلْ » رد لما تمنوه ، أي : ليس الأمر على ما قالوه ، لأنهم لم يقولوا ذلك رغبة في الإيمان ، بل قالوه « إشفاقا من العذاب ، وطمعا في الرحمة » . قال الشيخ : « ولا أدري ما هذا الكلام » . قلت : ولا أدري ما وجه عدم الدراية منه ، وهو كلام صحيح في نفسه ، فإنهم لما قالوا : يا ليتنا ، كأنهم قالوا تمنينا ، ولكن هذا التمني ليس بصحيح ، لأنهم إنما
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية ( 58 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 102 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) الصّكّ : الضرب الشديد بالشيء العريض ، وقيل : هو الضرب عامة بأي شيء كان . اللسان : صكك 2474 .