أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

396

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وأزحت عللك ، فخذهم الآن وعاقبهم ، وكما أحسنت إليك ، وأجريت عليك الرزق ، فاعمل كذا ، واشكرني عليه ، فتقدير الآية : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، وغشّاكم الناس أمنة منه ، وأنزل عليكم من السّماء ماء ليطهّركم به ، وأنزل عليكم من السّماء ملائكة مردفين ، فاضربوا فوق الأعناق ، واضربوا منهم كلّ بنان ، كأنه يقول : « قد أزحت عللكم ، وأمددتكم بالملائكة ، فاضربوا منهم هذه المواضع ، وهو القتل ، لتبلغوا مراد اللّه في إحقاق الحق ، وإبطال الباطل » . وهذا الوجه بعد طوله لا طائل تحته ، لبعده من المعنى وكثرة الفواصل . التاسع عشر : أن التقدير : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، أي : بسبب إظهار دين اللّه ، وإعزاز شريعته ، وقد كرهوا خروجك ، تهيبا للقتال ، وخوفا من الموت ، إذ كان أمر عليه الصلاة والسّلام ، بخروجهم بغتة ، ولم يكونوا مستعدين للخروج ، وجادلوك في الحق بعد وضوحه ، نصرك اللّه ، وأمدك بملائكته ، ودل على هذا المحذوف الكلام الذي بعده ، وهو قوله : « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ » الآيبات ، وهذا الوجه استحسنه الشيخ ، وزعم أنه لم يسبق به ، ثم قال « 1 » : « ويظهر أن الكاف ليست لمحض التشبيه ، بل فيها معنى التعليل ، وقد نصّ النحويون على أنها للتعليل ، وخرجوا عليه قوله تعالى : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ « 2 » ، وأنشدوا : 2400 - لا تشتم النّاس كما لا تشتم « 3 » أي : لانتفاء شتم الناس لك ، لا تشتمهم ، ومن الكلام الشائع : « كما تطيع اللّه ، يدخلك الجنّة » ، أي : لأجل طاعتك اللّه يدخلك ، فكذا الآية ، والمعنى ، لأن خرجت لإعزاز دين اللّه ، وقتل أعدائه ، نصرك وأمدك بالملائكة . العشرون : تقديره : « وأطيعوا اللّه ورسوله إن كنتم مؤمنين ، كما إخراجك في الطاعة خير لكم ، كما كان إخراجك خيرا لهم » . وهذه الأقوال مع كثرتها غالبها ضعيف ، وقد بينت ذلك . قوله : « بِالْحَقِّ » فيه وجهان ، أحدهما : أن يتعلق بالفعل ، أي : بسبب الحقّ ، أي : أنه إخراج بسبب حق يظهر ، وهو علوّ كلمة الإسلام ، والنصر على أعداء اللّه . والثاني : أن يتعلق بمحذوف ، على أنها حال من مفعول « أَخْرَجَكَ » ، أي : ملتبسا بالحق . قوله : « وَإِنَّ فَرِيقاً » الواو للحال ، والجملة في محل نصب ، ولذلك كسرت « إِنَّ » . ومفعول « كارهون » محذوف ، أي لكارهون الخروج . وسبب الكراهة إمّا نفرة الطبع مما يتوقع من القتال ، وإمّا لعدم الاستعداد . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 6 إلى 8 ] يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) قوله : يُجادِلُونَكَ . يحتمل أن يكون مستأنفا ، إخبارا عن حالهم بالمجادلة ، ويحتمل أن يكون حالا ثانية ، أي : أخرجك في حال

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 4 / 463 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 198 ) . ( 3 ) تقدم .