أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
383
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« استمريت » ، وأن يكون من « المور » ، والأصل : « استمورت » . قوله : « أَثْقَلَتْ » أي : صارت ذات ثقل ، كقولهم : « ألبن الرّجل ، وأتمر » أي : صار ذا لبن وتمر . وقيل : دخلت في الثقل ، كقولهم : أصبح ، وأمسى : إذا دخل في الصباح والمساء . وقرىء : « أثقلت » مبنيا للمفعول . قوله : دَعَوَا اللَّهَ متعلّق الدعاء محذوف ، لدلالة الجملة القسمية عليه ، أي : دعواه في أن يؤتيهما ولدا صالحا . وقوله : لَئِنْ آتَيْتَنا هذا القسم وجوابه فيه وجهان : أظهرهما : أنه مفسر لجملة الدعاء ، كأنه قيل : فما كان دعاؤهما ؟ فقيل : كان دعاؤهما كيت وكيت ، ولذلك قلت : إن هذه الجملة دالة على متعلق الدعاء . والثاني : أنه معمول لقول مضمر ، تقديره : فقالا : لئن آتيتنا . و « لَنَكُونَنَّ » جواب القسم ، وجواب الشرط محذوف على ما تقرر . و صالِحاً فيه قولان : أظهرهما : أنّه مفعول ثان ، أي : ولدا صالحا . والثاني - وبه قال مكي - : أنه نعت مصدر محذوف ، أي : إيتاء صالحا » . وهذا لا حاجة إليه ، لأنه لا بدّ من تقدير الموتى لهما . قوله : جَعَلا لَهُ . قيل : ثم مضاف ، أي : جعل له أولادهما شركاء ، وإلا فحاشى آدم وحواء من ذلك . وإن جعل الضمير ليس لآدم وحواء ، فلا حاجة إلى تقديره . وقيل : في الآية أقوال تقتضي أن يكون الضمير لآدم وحواء من غير حذف مضاف ، بتأويل ذكر في التفسير . وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم « شركا » بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف ، والباقون بضم الشين وفتح الراء ومد الكاف مهموزة من غير تنوين ، جمع « شريك » . فالشرك مصدر ، ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : ذوي شرك ، بمعنى إشراك ، فهو في الحقيقة اسم مصدر . وقيل : المراد بالشرك : النصيب وهو ما جعلاه من رزقهما له يأكله معهما ، وكانا يأكلان ويشربان وحدهما ، فالضمير في « له » يعود على الولد الصالح . وقيل : الضمير في « له » لإبليس ، ولم يجر له ذكر . وهذان الوجهان لا معنى لهما . وقال مكي ، وأبو البقاء ، وغيرهما : « إنّ التقدير يجوز أن يكون : جعلا لغيره شركا » . قلت : هذا الذي قدره هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن : « كان ينبغي لمن قرأ « شركا » « أن يقول : المعنى : جعلا لغيره شركا » . « لأنهما لا ينكران أن الأصل للّه ، إنما يجعله لغيره . قوله : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قيل : هذه جملة استئنافية ، والضمير في « يُشْرِكُونَ » يعود على « الكفار » ، والكلام قد تم قبله . وقيل : يعود على آدم وحواء وإبليس ، والمراد بالإشراك : تسميتهما الولد الثالث ب « عبد الحرث » ، وكان أشار بذلك إبليس ، فالإشراك في التسمية فقط . وقيل : لم يكن آدم علم . ويؤيد الوجه الأول قراءة السّلميّ « عمّا تشركون » بناء الخطاب ، وكذلك « أتشركون » بالخطاب أيضا ، وهو التفات . قوله : وَهُمْ يُخْلَقُونَ . يجوز أن يعود على « ما » من حيث المعنى ، والمراد بها الأصنام ، وعبر عنهم بهم ، لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء ، أو لأنهم مختلطون بمن عبد من العقلاء ، كالمسيح وعزير ، أو يعود على الكفار ، أي : والكافرون مخلوقون ، فلو تفكروا في ذلك لآمنوا . قوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ .