أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

375

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فهذه علة مصيرة محصورة ، فكيف تكون هذه للعلة أيضا ، وأوردوا على ذلك أيضا قول الشاعر : 2362 - لدوا للموت ، وابنوا للخراب * . . . « 1 » وقول الآخر : 2363 - ألا كلّ مولود فللموت يولد * ولست أرى حيّا لحيّ يخلّد « 2 » وقول الآخر : 2364 - وللموت تغدو الوالدات سخالها * كما لخراب الدّهر تبنى المساكن « 3 » والثاني : « أنها للعلة » ، وذلك أنهم لما كان مآلهم إليها جعل ذلك سببا على طريق المجاز . وقد رد ابن عطية على من جعلها لام العاقبة ، فقال : « وليس هذا بصحيح ، ولام العاقبة إنما تتصور إذا كان فعل الفاعل لم يقصد مصير الأمر إليه ، وأما هنا فالفعل قصد به ما يصير إليه الأمر من سكناهم لجهنم » . واللام على هذا متعلقة ب « ذَرَأْنا » ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف ، على أنه حال من « كَثِيراً » ، لأنه في الأصل صفة لها لو تأخر . ولا حاجة إلى ادعاء قلب ، أن الأصل : ذرأنا جهنم لكثير ، لأنه ضرورة ، أو قليل . و « مِنَ الْجِنِّ » صفة ل « كَثِيراً » ، لَهُمْ قُلُوبٌ جملة في محل نصب ، إمّا صفة ل « كَثِيراً » أيضا ، وإمّا حالا من « كَثِيراً » ، وإن كان نكرة ، لتخصصه بالوصف ، أو من الضمير المستكن في « مِنَ الْجِنِّ » ، لأنه تحمل ضميرا ، لوقوعه صفة ، ويجوز أن يكون « لَهُمْ » على حدته هو الوصف ، أو الحال ، و « قُلُوبٌ » فاعل به ، فيكون من باب الوصف بالمفرد ، وهو أولى . وقوله : لا يَفْقَهُونَ بِها وكذلك الجملة المنفية في محل النعت لما قبلها ، وهذا الوصف يكاد يكون لازما ، لوروده في غير القرآن ، لأنه لا فائدة بدونه لو قلت : لزيد قلب ، وله عين وسكت ، لم يظهر لذلك كبيرة فائدة . قوله : الْحُسْنى . فيها قولان : أظهرهما : أنه تأنيث أحسن ، والجمع المكسر لغير العاقل يجوز أن يوصف بما توصف به المؤنثة ، نحو : مَآرِبُ أُخْرى ، ولو طوبق به لكان التركيب : الحسن ، كقوله : مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . * والثاني : أن « الْحُسْنى » مصدر على « فعلى » ، ك « الرّجعى ، والبقيا » ، قال : 2365 - ولا يجزون من حسنى بسوء * . . . « 4 » والأسماء - هنا - : الألفاظ الدالة على الباري سبحانه وتعالى ، نحو : اللّه ، والرحمن . وقال ابن عطية : « المراد بها التسميات إجماعا من المتأولين ، لا يمكن غيره » . وفيه نظر ، لأن التسمية مصدر ، والمصدر لا يدعى به على كلا القولين في تفسير الدعاء ، وذلك أن معنى « فَادْعُوهُ » : نادوه بها ، كقولهم : يا اللّه ، يا رحمن ، يا ذا

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 427 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) صدر بيت لأبي الغول وعجزه : . . . * ولا يجزون من غلظ بلين