أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

370

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

من ضمير « ظُهُورِهِمْ » ، كما أن « مِنْ ظُهُورِهِمْ » بدل من « بَنِي آدَمَ » ، والمفعول المحذوف هو « الميثاق » ، كقوله : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً . * قال : « وتقدير الكلام : وإذ أخذ ربّك من ظهور ذرّيات بني آدم ميثاق التوحيد ، واستعار أن يكون أخذ الميثاق من الظهر ، كأن الميثاق لصعوبته والارتباط به شيء ثقيل ، يحمل على الظهر » . وكذلك قرأ الكوفيون ، وابن كثير في سورة يس ، وفي الطور في الموضعين « ذُرِّيَّتَهُمْ » بالإفراد . وافقهم أبو عمرو على ما في يس ، ونافع وافقهم في أول الطور ، وهي : ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ ، دون الثانية ، وهي : أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . فالكوفيون ، وابن كثير جروا على منوال واحد ، وهو الإفراد ، وابن عامر على الجمع ، وأبو عمرو ونافع جمعوا بين الأمرين ، كما بينت لك . قال الشيخ - في قراءة الإفراد في هذه السورة - : « ويتعين أن يكون مفعولا ب « أَخَذَ » ، وهو على حذف مضاف ، أي : ميثاق ذرّيتهم » . يعني أنه لم يجز فيه ما جاز في « ذرّياتهم » من أنه بدل ، والمفعول محذوف ، وذلك واضح ، لأن من قرأ « ذُرِّيَّتَهُمْ » بالإفراد ، لم يقرأه إلا منصوبا . ولو كان بدلا من : « هم » في « ظُهُورِهِمْ » لكان مجرورا ، بخلاف « ذرّيّاتهم » بالجمع ، فإنّ الكسرة تصلح أن تكون علما للجر ، وللنصب ، في جمع المؤنث السالم . قوله : « بَلى » جواب لقوله : « أَ لَسْتُ » . قال ابن عباس : « لو قالوا : نعم ، لكفروا » . يريد أن النفي إذا أجيب ب « نعم » كانت تصديقا له ، فكأنهم أقروا بأنه ليس بربهم ، هكذا ينقلونه عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - ، وفيه نظر ، إن صحّ عنه ، وذلك أن هذا النفي صار مقررا ، فكيف يكفرون بتصديق التقرير ، وإنما المانع من جهة اللغة ، وهو أن النفي مطلقا إذا قصد إيجابه أجيب ب « بَلى » ، وإن كان مقررا بسبب دخول الاستفهام عليه ، وإنما كان ذلك تغليبا لجانب اللفظ ، ولا يجوز مراعاة جانب المعنى إلا في شعر ، كقوله : 2351 - أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو * وإيّانا ، فذاك بنا تداني نعم وترى الهلال كما أراه * ويعلوها النّهار كما علاني « 1 » فأجاب قوله : « أليس » ب « نعم » ، مراعاة للمعنى ، لأنه إيجاب . قوله : « شَهِدْنا » هذا من كلام اللّه تعالى . وقيل : من كلام الملائكة ، وقيل من كلام اللّه تعالى ، والملائكة ، وقيل : من كلام الذّرّيّة . قال الواحدي : « وعلى هذا لا يحسن الوقف على قوله : « بَلى » ، ولا يتعلق « أَنْ تَقُولُوا » ب « شَهِدْنا » ، ولكن بقوله : « وَأَشْهَدَهُمْ » . قوله : « أَنْ تَقُولُوا » مفعول من أجله ، والعامل فيه إمّا « شَهِدْنا ، أي : شهدنا كراهة أن تقولوا ، هذا تأويل البصريين ، وأما الكوفيون فقاعدتهم تقدير « لا » النافية ، كتقديره : لئلا تقولوا ، كقوله : « أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » * ، وقول القطاميّ : 2352 - رأينا ما يرى البصراء فيها * فآلينا عليها أن تباعا « 2 » أي : ألّا تباع . وإمّا « وَأَشْهَدَهُمْ » ، أي : أشهدهم لئلا يقولوا ، أو كراهة أن يقولوا . وقد تقدم أن الواحدي قد قال : « إنّ » شهدنا » إذا كان من قول الذرّيّة يتعين أن يتعلق « أَنْ تَقُولُوا » ب « أَشْهَدَهُمْ » . « كأنه رأى أن التركيب يصير : شهدنا أن يقولوا ، سواء قرىء بالغيبة أو الخطاب ، والشاهدون هم القائلون في المعنى ، فكان ينبغي أن يكون التركيب : شهدنا أن نقول نحن ، وهذا غير لازم ، لأن المعنى : شهد بعضهم على بعض ، فبعض الذّرّيّة قال : شهدنا أن يقول البعض الآخر كذلك . وذكر الجرجاني - عن بعضهم - وجها آخر ، وهو أن يكون قوله : « وَإِذْ أَخَذَ

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم .