أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
368
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنه ضمير محذوف ، لفهم المعنى ، والتقدير : المصلحين منهم ، وهذا على قواعد جمهور البصريين ، وقواعد الكوفيين تقتضي أن « أل » قائمة مقام الضمير ، تقديره : أجر مصلحيهم ، كقوله : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ، أي : مأواه ، وقوله : مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ، أي : أبوابها ، وقوله : فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، أي : أرضهم ، إلى غير ذلك . والثاني : أن الرابط تكرر المبتدأ بمعناه ، نحو : زيد قام أبو عبد اللّه ، وهو رأي الأخفش ، وهذا كما يجيزه في الموصول ، نحو : أبو سعيد الذي رويت عن الخدري ، والحجاج الذي رأيت ابن يوسف ، وقد قدمت من ذلك شواهد كثيرة . الثالث : أن الرابط هو العموم في « الْمُصْلِحِينَ » ، قاله أبو البقاء ، قال : « وإن شئت قلت : لما كان المصلحون جنسا ، والمبتدأ واحد منه استغنيت عن ضمير » . قلت : العموم رابط من الروابط الخمسة ، وعليه قوله : 2347 - ألا ليت شعري هل إلى أمّ سالم * سبيل ؟ فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا « 1 » ومنه : نعم الرجل زيد على أحد الأوجه : والوجه الثاني من وجهي الخبر : أنه محذوف ، تقديره : « والّذين يمسّكون مأجورون » ، أو مثابون ، ونحوه ، وقوله تعالى : « إِنَّا لا نُضِيعُ » جملة اعتراضية ، قاله الحوفي . ولا ضرورة إلى ادعاء مثله . الثاني - من وجهي « وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ - : أنه في محل جر نسقا على « الّذين يتّقون » ، أي : والدار الآخرة خير للمتقين ، وللمتمسكين ، قاله الزمخشري ، إلّا أنه قال : « ويكون قوله : « إِنَّا لا نُضِيعُ » اعتراضا » . وفيه نظر ، لأنه لم يقع بين شيئين متلازمين ، ولا بين شيئين بينهما تعلق معنوي ، فكان ينبغي أن يقول : ويكون على هذا مستأنفا . وقرأ العامة « يُمَسِّكُونَ » بالتشديد من « مسّك » بمعنى « تمسّك » ، حكاه أهل التصريف ، أي : أن فعّل بمعنى تفعّل ، وعلى هذا فالباء للآلة ، كهي في تمسّكت بالحبل » . وقرأ أبو بكر عن عاصم ، ورويت عن أبي عمرو ، وأبي العالية « يمسكون » ، بسكون الميم وتخفيف السين ، من « أمسك » ، وهما لغتان ، يقال : « مسّكت ، وأمسكت ، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله : 2348 - ولا تمسّك بالعهد الّذي زعمت * إلّا كما تمسك الماء الغرابيل ولكن « أمسك » متعدّ ، قال تعالى : وَيُمْسِكُ السَّماءَ ، فعلى هذا مفعوله محذوف ، تقديره : يمسكون دينهم وأعمالهم بالكتاب ، فالباء يجوز أن تكون للحال ، وأن تكون للآلة ، أي : مصاحبين للكتاب ، أي : لأوامره ونواهيه ، وقرأ الأعمش ، وهي قراءة عبد اللّه « استمسكوا » ، وأبيّ « تمسّكوا » ماضيين . قوله : فَوْقَهُمْ . فيه وجهان : أحدهما : هو متعلق بمحذوف ، على أنه حال من « الْجَبَلَ » وهي حال مقدرة ، لأنه حالة النّتق لم يكن فوقهم ، لكنه بالنّتق صار فوقهم .
--> ( 1 ) البيت لابن ميادة انظر الكتاب ( 1 / 386 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 97 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 286 ) ، الهمع ( 1 / 98 ) ، الدرر ( 1 / 74 ) .