أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
361
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الحيتان ، وينقطع الكلام عند قوله : « لا تَأْتِيهِمْ » . الوجه الثاني : قال الزجاج : « ويحتمل أن يكون - على بعد - : ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ، أي : لا تأتيهم شرّعا ، ويكون « نَبْلُوهُمْ » مستأنفا » . قال أبو بكر : « وعلى هذا الوجه « كَذلِكَ » راجعة إلى « الشروع » في قوله تعالى : يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ، والتقدير : يوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك الإتيان بالشروع ، وموضع الكاف على هذا نصب بالإتيان على الحال ، أي : « لا تأتي مثل ذلك الإتيان » . وقوله : « بِما كانُوا » الباء سببية ، و « ما » مصدرية ، أي : نبلوهم بسبب فسقهم . ويضعف أن تكون بمعنى « الذي » لتكلف حذف العائد على التدريج . وقد ذكر مكي - هنا - مسألة مختلفا فيها بين النحاة ، لا تعلق لها بهذا الموضع ، فقال : « وأفصح اللغات أن ينتصب الظرف مع السبت ، والجمعة ، فتقول : اليوم السّبت ، واليوم الجمعة ، فتنصب « اليوم » على الظرف ، وترفع مع سائر الأيام فتقول : اليوم الأحد ، واليوم الأربعاء ، لأنه لا معنى للفعل فيهما ، فالمبتدأ هو الخبر فترفع » . قلت : هذه المسألة فيها خلاف بين النحويين ، فالجمهور - كما ذكر - يوجبون الرفع ، لأنه بمنزلة قولك : اليوم الأول ، اليوم الثاني . وأجاز الفراء وهشام النصب ، قالا : « لأن اليوم بمنزلة » الآن ف « الآن أعم من الأحد ، والثلاثاء ، كأنه قيل : الآن الأحد ، الآن الاثنين ، أي : أنهما واقعان في الآن » . وليست هذه المسألة مختصة بالجمعة والسبت ، بل الضابط فيها أنه إذا ذكر اليوم مع ما يتضمن عملا وحدثا جاز النصب والرفع ، نحو قولهم : اليوم العيد ، اليوم الفطر ، اليوم الأضحى ، كأنك قلت : اليوم يحدث اجتماع ، وفطر ، وأضحية . قوله : مَعْذِرَةً . يقرأ العامة « معذرة » رفعا ، على خبر ابتداء مضمر ، أي : موعظتنا معذرة . وقرأ حفص عن عاصم ، وزيد بن علي ، وعيسى بن عمر ، وطلحة بن مصرّف « مَعْذِرَةً » نصبا ، وفيها ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها منصوبة على المفعول من أجله ، أي : وعظناهم لأجل المعذرة . قال سيبويه « 1 » : « ولو قال رجل لرجل : معذرة إلى اللّه ، وإليك من كذا ، انتصب . الثاني : أنها منصوبة على المصدر بفعل مقدر من لفظها ، تقديره : نعتذر معذرة . الثالث : أن ينتصب انتصاب المفعول به ، لأن المعذرة تتضمن كلاما ، والمفرد المتضمن لكلام إذا وقع بعد القول نصب نصب المفعول به ، ك « قلت خطبة » . وسيبويه يختار الرفع ، وقال : « لأنهم لم يريدوا أن يعتذر اعتذارا مستأنفا ، ولكنهم قيل لهم : لم تعظون ؟ فقالوا : وعظتنا معذرة » . والمعذرة : اسم مصدر ، وهو العذر . وقال الأزهري : « إنها بمعنى الاعتذار » . والعذر : التنصل من الذنب . قوله : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا . الضمير في « نَسُوا » للمنهيين ، و « ما » موصولة بمعنى « الذي » ، أي : فلما نسوا الوعظ الذي ذكرهم به الصالحون . قال ابن عطية : « ويحمل أن يراد به الذكر نفسه ، ويحتمل أن يراد به ما كان في الذكر » .
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 320 ) .