أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
352
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : المختار منه ، فإنه لا بدّ للاختيار من مختار ، ومختار منه ، وعلى البدل إنما ذكر المختار دون المختار منه . والثاني : أنه لا بدّ من رابط بين البدل ، والمبدل منه ، وهو « منهم » ، كما قدره أبو البقاء ، وأيضا فإن البدل في نية الطرح . وأصل « اختار : اختير ، افتعل من لفظ الخير ، كاصطفى من الصفوة . و « لِمِيقاتِنا » متعلق به ، أي : لأجل ميقاتنا ، ويجوز أن يكون معناها الاختصاص ، أي : اختارهم مخصصا بهم الميقات ، كقولك : اختر لك كذا . قوله : لَوْ شِئْتَ مفعول المشيئة محذوف ، أي : لو شئت إهلاكنا . و « أَهْلَكْتَهُمْ » جواب « لَوْ » ، والأكثر الإتيان باللام في هذا النحو ، ولذلك لم يأت مجردا منها إلا هنا ، وفي قوله : أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ « 5 » . وفي قوله : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً « 6 » . ومعنى : « مِنْ قَبْلُ » ، أي : من قبل الاختيار ، وأخذ الرجفة . وقوله : « وَإِيَّايَ » قد يتعلق به من يرى جواز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله ، إذ كان يمكن أن يقال : أهلكتنا . وهو تعلق واه جدا ، لأن مقصوده - صلّى اللّه عليه وسلّم - التنصيص على هلاك كلّ على حدته تعظيما للأمر ، وأيضا فإنّ موسى لم يتعاط ما يقتضي إهلاكه ، بخلاف قومه ، وإنما قال ذلك تسليما منه لربه ، فعطف ضميره تنبيها على ذلك ، وقد تقدم لك قريب من هذا في قوله : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ « 7 » وقوله : يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ « 8 » قوله : أَ تُهْلِكُنا يجوز فيه أن يكون على بابه ، أي : أتعمنا بالإهلاك أم تخص به السفهاء منا ، ويجوز أن يكون بمعنى النفي ، أي : ما تهلك من لم يذنب بذنب غيره ، قاله أبو بكر بن الأنباري ، قال : « وهو كقولك : أتهين من يكرمك » . وعن المبرد : « وهو سؤال استعطاف » . و « مِنَّا » في محل نصب على الحال من « السُّفَهاءُ » ، ويجوز أن تكون للبيان . قوله : تُضِلُّ بِها يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون مستأنفة فلا محل لها . والثاني : أن تكون حالا من « فِتْنَتُكَ » أي : حال كونها مضلا بها ، ويجوز أن تكون حالا من الكاف ، لأنها مرفوعة تقديرا بالفاعلية ، ومنعه أبو البقاء ، قال : « لعدم العامل فيها » . وقد تقدم البحث معه فيه غير مرة . قوله : هُدْنا . العامة على ضم الهاء ، من : هاد يهود ، بمعنى : مال ، قال : 2329 - قد علمت سلمى وجاراتها * أنّي من اللّه لها هائد « 1 » أو تاب ، من قوله : 2330 - إنّي أمرؤ ممّا جنيت هائد « 2 » ومن كلام بعضهم : 2331 - يا راكب الذّنب هدهد * واسجد كأنّك هدهد « 3 »
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 4 / 401 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت للزمخشري الكشاف ( 2 / 129 ) ، روح المعاني ( 9 / 76 ) . ( 5 ) نفس السورة آية رقم ( 100 ) . ( 6 ) سورة الواقعة ، آية ( 70 ) . ( 7 ) سورة النساء ، آية ( 131 ) . ( 8 ) سورة الممتحنة ، آية ( 1 ) .