أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

340

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي تكليمي إياها . ويحتمل أن يراد به التوراة ، وما أوحاه إليه من قولهم : القرآن كلام اللّه ، تسمية للشيء بالمصدر . وقدم الرسالة على الكلام ، لأنها أسبق أو ليترقى إلى الأشرف . وكرر حرف الجر ، تنبيها على مغايرة الاصطفاء . وقرأ الأعمش « برسالاتي وبكلمي » جمع « كلمة » ، وروى عنه المهدوي أيضا « وتكليمي » ، على زنة التفعيل ، وهي تؤيد أن « الكلام » مصدر . وقرأ أبو رجاء « برسالتي » بالإفراد ، « وبكلمي » بالجمع ، أي : وبسماع كلمي . قوله : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً . « أل » في « الْأَلْواحِ » يجوز أن تكون لتعريف الماهية ، وأن تكون للعهد ، لأنه يروى في القصة أنه هو الذي قطعها وشققها . وقال ابن عطية : « أل » عوض من الضمير ، تقديره : في ألواحه ، وهذا كقوله : « فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » أي : « مأواه » . أما كون « أل » عوضا من الضمير فلا يعرفه البصريون . وأما قوله : « فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » فإنا نحتاج فيه إلى رابط يربط بين الاسم والخبر ، فالكوفيون يجعلون « أل » عوضا من الضمير ، والبصريون يقدرونه ، أي : هي المأوى له . وأما في هذه الآية الكريمة فلا ضرورة تدعو إلى ذلك . وفي مفعول « كَتَبْنا » ثلاثة أوجه : أحدها : « أنها موعظة » ، أي : كتبنا له موعظة وتفصيلا ، و « مِنْ كُلِّ شَيْءٍ » على هذا فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « كَتَبْنا » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، لأنه في الأصل صفة ل « مَوْعِظَةً » ، فلما قدم عليها نصب حالا ، و « لِكُلِّ شَيْءٍ » صفة ل « تَفْصِيلًا » . الثاني : أنه « مِنْ كُلِّ شَيْءٍ » . قال : الزمخشري : « مِنْ كُلِّ شَيْءٍ » في محل نصب مفعول « كَتَبْنا » ، و « مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا » بدل منه ، والمعنى : كتبنا له كلّ شيء كان بنو إسرائيل يحتاجون إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام . الثالث : أن المفعول محل المجرور . قال الشيخ - بعد ما حكى الوجه الأول عن الحوفيّ ، والثاني عن الزمخشري - : « ويحتمل عندي وجه ثالث ، وهو أن يكون مفعول « كَتَبْنا » موضع المجرور ، كما تقول : أكلت من الرغيف . و « مِنْ » للتبعيض ، أي : كتبنا له أشياء من كل شيء ، وانتصب « مَوْعِظَةً » و « تَفْصِيلًا » على المفعول من أجله ، أي : كتبنا له تلك الأشياء للاتعاظ والتفصيل » . قلت : « والظاهر أن هذا الوجه هو الذي أراده الزمخشري وجها ثالثا . قوله : « بِقُوَّةٍ » حال إمّا من الفاعل ، أي : ملتبسا بقوّة ، وإمّا من المفعول ، أي : ملتبسة بقوة ، أي : بقوة دلائلها وبراهينها ، والأول أوضح . والجملة من : « فَخُذْها » يحتمل أن تكون بدلا من قوله : « فَخُذْ ما آتَيْتُكَ » وعاد الضمير على معنى « ما » ، لا على لفظها ، ويحتمل أن تكون منصوبة بقول مضمر ، ذلك القول منسوق على جملة « كَتَبْنا » ، والتقدير : وكتبنا فقلنا : خذها ، الضمير على هذا عائد على « الْأَلْواحِ » ، أو على « التَّوْراةَ » * ، أو على « الرسالات » ، أو على « كُلِّ شَيْءٍ » لأنه في معنى الأشياء . قوله : « يَأْخُذُوا » الظاهر أنه مجزوم جوابا للأمر في قوله : « وَأْمُرْ » ، ولا بدّ من تأويله ، لأنه لا يلزم من أمره إياهم بذلك أن يأخذوا ، بدليل عصيان بعضهم له في ذلك ، فإنّ شرط ذلك انحلال الجملتين إلى شرط وجزاء .