أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

304

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والتقدير : وما يكون لنا أن نعود فيها في وقت من الأوقات إلّا في وقت مشيئة اللّه ، ذلك . وهذا متصور في حق من عدا شعيبا ، فإنّ الأنبياء لا يشاء اللّه ذلك لهم ، لأنه عصمهم . ومنهم من قال : هو مستثنى من الأحوال العامة ، والتقدير : ما يكون لنا أن نعود فيها في حال إلّا في حال مشيئة اللّه تعالى . وقال ابن عطية : « ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد اللّه به المؤمنين مما يفعله الكفرة من القربات ، فلما قال لهم : إنا لا نعود في ملتكم ، ثم خشي أن يتعبد اللّه بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ملحد بذلك ، ويقول : هذه عودة إلى ملتنا ، استثنى مشيئة اللّه تعالى فيما يمكن أن يتعبده . قال الشيخ : « وهذا الاحتمال لا يصح ، لأن قوله : « بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها » إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي ، لا من أعمال البر » . قلت : قد حكى ابن الأنباري هذا القول عن المعتزلة الذين لا يؤمنون بالإرادة ، ثم قال : وهذا قول متناولة بعيد ، لأن فيه « تبعيض المسألة » . وقيل : هو استثناء على سبيل التسليم والتأدب . « قال ابن عطية : « ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ، ولو كان الكلام « إلا أن شاء » قوي هذا التأويل » . وهذا الذي قاله سهو ، لأن الماضي يتخلص للاستقبال بعد « إِنْ » الشرطية ، كما يتخلص المضارع له ب « إِنْ » المصدرية . وقيل : إنّ الضمير في قوله : « فِيها » ليس عائدا على « الملة » ، بل عائدا على « القرية » ، والتقدير : وما يكون لنا أن نعود في القرية إلّا أن يشاء ربّنا ، وهو حسن ، لولا بعده . وكرر هنا قوله : بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بخلاف قوله : حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا زيادة في تأكيد تميزه ومن معه من قومه . وقد تقدم أن « الفتح » : الحكم بلغة حمير ، وقيل بلغة مراد ، وأنشد : 2263 - ألا أبلغ بني عصم رسولا * بأنّي عن فتاحتكم غنيّ « 1 » قوله : « عِلْماً » نصب على التمييز ، وهو منقول من الفاعلية ، تقديره : وسمع علم ربنا كلّ شيء ، كقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً . قوله : إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ . « إِذاً » حرف جواب وجزاء ، وقد تقدم الكلام عليها مشبعا وخلاف الناس فيها « 2 » . وهي هنا معترضة بين الاسم والخبر . وقد وهم بعضهم فجعل « إِذاً » هذه « إذا » الظرفية في الاستقبال ، نحو قولك : أكرمك إذا جئتني أي : وقت مجيئك . قال : « ثم حذفت الجملة المضافة هي إليها ، والأصل : إنكم إذا اتبعتموه لخاسرون ، ف « إِذاً » ظرف ، والعامل فيها « لَخاسِرُونَ » ، ثم حذفت الجملة المضافة إليها ، وهي « اتبعتموه » وعوض منها التنوين ، فلما جيء بالتنوين وهو ساكن التقى بمجيئه ساكنان ، هو والألف قبله ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، فبقي اللفظ « إِذاً » كما ترى ، وزعم هذا القائل أن ذلك جائز بالحمل على « إذ » التي للمضي في قولهم : حينئذ ، ويومئذ فكما أن التنوين هناك عوض عن جملة عند الجمهور كذلك هذا . قال الشيخ : « هذا بأنه لم يثبت هذا الحكم ل « إِذاً » الاستقبالية في غير هذا الموضوع ليحمل هذا عليه » . قلت : وهذا ليس بلازم ، إذ لذلك القائل أن يقول : قد وجدت موضعا غير هذا ، وهو قوله تعالى : إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ وقد رأيت كلام الشيخ شهاب الدين القرافي في قوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - لما سألوه عن بيع الرّطب بالتّمر ، فقال :

--> ( 1 ) انظر البيت في أمالي القالي ( 2 / 281 ) ، إصلاح المنطق ( 112 ) ، الصحاح واللسان « رسل » . ( 2 ) انظر سورة البقرة آية ( 145 ) .