أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
3
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الجزء الثالث سورة الأنعام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) قوله : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ « 1 » . « جَعَلَ » هنا تتعدى لمفعول واحد ، لأنها بمعنى خلق ، هكذا عبارة النحويين . ظاهرها أنهما مترادفان . إلّا أنّ الزمخشري فرق بينهما ، فقال : « والفرق بين الخلق والجعل : أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التصيير ، كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئا ، أو نقله من مكان إلى مكان . ومن ذلك : « وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها » « 2 » ، « وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » « 3 » ، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة ، والنور من النار انتهى » . وقال الطبري : « جعل هنا هي التي تتصرف في طرف الكلام ، كما تقول جعلت أفعل كذا » . فكأنه قال : وجعل إظلامها وإنارتها « 4 » وهذا لا يشبه كلام أهل اللسان . ولكونها عند أبي القاسم « 5 » ليست بمعنى « خَلَقَ » فسرّها هنا بمعنى أحدث وأنشأ . وكذا الراغب جعلها بمعنى « أوجد » . ثم إنّ الشيخ اعترض عليه هنا لما استطرد ، وذكر أنها تكون بمعنى « صيّر » ، ومثل بقوله : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً « 6 » . فقال : « 7 » وما ذكره من أن جعل بمعنى صيّر في قول « وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ » لا يصح ، لأنهم لم يصيّروهم إناثا . وإنما ذكر بعض النحويين أنها هنا بمعنى « سمّى » . قلت : ليس الرماد بالتصيير التصيير بالفعل ، بل المراد التصيير بالقول . وقد نص الزمخشري على ذلك ، وسيأتي لهذا - إن شاء اللّه تعالى - مزيد بيان في موضعه . وقد ظهر الفرق بين تخصيص السماوات والأرض بالخلق ، والظلمات والنور بالجعل مما ذكره الزمخشري . وإنّما وحّد النّور ، وجمع الظّلمات ، لأن النّور من جنس واحد ، وهو النار ، والظّلمات كثيرة فإنّ ما من جرم إلّا وله ظل ، وظله هو الظلمة ، وحسن هذا أيضا أن الصلة التي قبلها تقدم فيها جمع ثم مفرد ، فعطفت هذه عليها كذلك . وقد تقدم « 8 » في البقرة الحكمة في جمع السماوات ، وإفراد الأرض . وقدمت الظّلمات في الذكر ، لأنه موافق
--> ( 1 ) في ب زيادة قوله « وهي سورة مكيّة إلا ثلاث آيات » . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية ( 189 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 1 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 68 ) . ( 5 ) أبو القاسم الأصفهاني . ( 6 ) سورة الزخرف ، آية ( 19 ) . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 68 ) . ( 8 ) انظر آية رقم ( 16 ) .