أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
299
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : إِلَّا امْرَأَتَهُ . استثناء من « أَهْلَهُ » المنجين . وقوله : كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ جواب سؤال مقدر ، وهذا كما تقدم في البقرة ، وفي أول هذه السورة في قصة إبليس . والغابر : المقيم ، هذا هو مشهور اللغة ، وأنشدوا قول أبي ذؤيب : 2253 - فغبرت بعدهم بعيش ناصب * وإخال أنّي لاحق مستتبع ومنه : غبّر اللبن ، لبقيته في الضّرع ، وغبّر الحيض أيضا ، قال أبو كبير الهذليّ : ويروى لتأبّط شرّا : 2254 - ومبرّأ من كلّ غبّر حيضة * وفساد مرضعة وداء مغيل « 1 » ومعنى : « مِنَ الْغابِرِينَ » في الآية : أي : من المقيمين في الهلاك ، وقال بعضهم : غبر بمعنى : مضى وذهب ، ومعنى الآية يساعده ، وأنشد للأعشى : 2255 - عضّ بما أبقى المواسي له * من أمّه في الزّمن الغابر « 2 » أي : الزمان الماضي . وقال بعضهم : غبر ، أي : « غاب » . ومنه قولهم : غبر عنا زمانا . وقال أبو عبيدة : « غبر : عمّر دهرا طويلا حتى هرم . ويدل له « إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ » * . والحاصل أن الغبور مشترك ك « عسعس » ، أو حقيقة ومجاز ، وهو المرجح . والغبار : اسم لما يبقى من التراب المثار ، ومنه : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ » ، تخييلا لتغييرها واسودادها ، والغبراء : الأرض . قال طرفة : 2256 - رأيت بني غبراء لا ينكرونني * . . . « 3 » قوله : وَأَمْطَرْنا . قال أبو عبيد : « ويقال : « مطر » في الرحمة ، و « أمطر » في العذاب . وقال الراغب : « ويقال : « مطر » في الخير ، و « أمطر » في العذاب ، قال تعالى : وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً . وهذا مردود بقوله تعالى : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ، فإنّهم إنما عنوا بذلك « الرحمة » ، وهو من « أمطر » رباعيا . ومطر وأمطر بمعنى واحد ، يتعديان لواد ، يقال : مطرتهم السّماء ، وأمطرتهم . وقوله تعالى هنا : وَأَمْطَرْنا » من معنى : أرسلنا ، ولذلك عدّي ب « على » ، وعلى هذا ف « مَطَراً » مفعول به ، لأنه يراد به الحجارة ، ولا يراد به المصدر أصلا ، إذ لو كان كذلك لقيل : « إمطار » . ويوم مطير ، أي : ممطور . ويوم ماطر ، وممطر ، على المجاز ، كقوله : فِي يَوْمٍ عاصِفٍ « 4 » وواد مطير ، فقط : فلم يتجوز فيه . ومطير بمعنى : ممطر ، قال : 2257 - حمامة بطن الواديين ترنّمي * سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها « 5 » فعيل هنا بمعنى فاعل ، لأن السحاب تمطر غيرها . ونكر « مَطَراً » تعظيما .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 195 ) ، اللسان « غبر » . ( 3 ) صدر بيت وعجزه : . . . * ولا أهل هذاك الطراف الممدد انظر ديوانه ( 45 ) ، اللسان « غبر » . ( 4 ) سورة إبراهيم ، آية ( 18 ) . ( 5 ) تقدم .