أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
293
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بوّأه : أنزله منزلا ، والمباءة : المنزل ، وتقدمت هذه المادة في آل عمران « 1 » . وهو يتعدى لاثنين ، فالثاني محذوف ، أي : بوّأكم منازل . و « فِي الْأَرْضِ » متعلّق بالفعل ، وذكرت ليبنى عليها ما يأتي بعدها من قوله : « تَتَّخِذُونَ » . قوله : تَتَّخِذُونَ يجوز أن تكون المتعدية لواحد ، فيكون « مِنْ سُهُولِها » متعلّقا بالاتخاذ ، أو بمحذوف ، على أنه حال من « قصور » ، إذ هو في الأصل صفة لها لو تأخر ، بمعنى أن مادة القصور من سهل الأرض ، كالطين واللّبن والآجر ، كقوله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ ، أي : مادته من الحليّ . وقيل : « مِنْ » بمعنى « في » . وفي التفسير أنهم كانوا يسكنون في القصور صيفا ، وفي الجبال شتاء . وأن تكون المتعدية لاثنين ، ثانيهما « مِنْ سُهُولِها » . قوله : وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً يجوز أن تكون « الْجِبالَ » على إسقاط ، أي : من الجبال ، كقوله : « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ » ، فيكون « بُيُوتاً » مفعوله ، ويجوز أن يضمن « تَنْحِتُونَ » معنى ما يتعدى لاثنين ، أي : وتتّخذون الجبال بيوتا بالنحت ، أو تصيرونها بيوتا بالنحت ، ويجوز أن يكون « الْجِبالَ » هو المفعول به ، و « بُيُوتاً » حال مقدرة ، كقولك : « خط هذا الثوب جبّة » ، أي : مقدرا له كذلك ، و « بُيُوتاً » وإن لم تكن مشتقة ، فإنها في معناه ، أي : مسكونة . وقرأ الحسن « تنحتون » بفتح الحاء . وزاد الزمخشري أنه قرأ « تنحاتون » بإشباع الفتحة ، وأنشد : 2244 - ينباع من ذقرى أسيل حسرّة * . . . « 2 » وقرأ يحيى بن مصرّف وأبو مالك بالياء من أسفل على الالتفات ، إلا أن أبا مالك فتح الحاء ، كقراءة الحسن . والسّهل من الأرض : مالان وسهل الانتفاع به ، ضد الحزن ، والسّهولة : التيسير . والقصور : جمع قصر ، وهو البيت المنيف ، سمّي بذلك لقصور الناس عن الارتقاء إليه ، أو لأن عامة الناس يقصرون عن بناء مثله ، بخلاف خواصهم ، أو لأنه يقتصر به على بقعة من الأرض ، بخلاف بيوت الشّعر والعمد ، فإنها لا يقصر بها على بقعة مخصوصة ، لارتحال أهلها ، أو لأنه يقصر من فيه ، أي : يحبسه ، ومنه : حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ « 3 » . والنحت : النّحر في شيء صلب ، كالحجر والخشب ، قال : 2245 - أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة * واللّيل في بطن منحوت من السّاج « 4 » وقرأ الأعمش « ولا تعثوا » بكسر حرف المضارعة ، وقد تقدم أن ذلك لغة . و « مُفْسِدِينَ » حال مؤكدة ، إذ معناها مفهوم من عاملها . و « فِي الْأَرْضِ » متعلّق بالفعل قبله ، أو ب « مُفْسِدِينَ » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 75 إلى 77 ] قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 75 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 76 ) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 77 )
--> ( 1 ) آية رقم ( 12 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة الرحمن ، آية ( 72 ) . ( 4 ) تقدم .