أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
289
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ومراعاة الاسم الظاهر ، فتقول : أنا رجل أفعل كذا . مراعاة ل « أنا » ، وإن شئت : أنا رجل يفعل كذا مراعاة ل « رَجُلٍ » ، ومثله : أنت رجل تفعل ويفعل بالخطاب والغيبة ، وقوله : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ جاء على الأكثر ، ومثله ما لو وقع بعد الضمير موصول ، نحو : أنا الذي فعلت وفعل ، وأنت الّذي فعل وفعلت ، ومنه : 2239 - نحن الّذين بايعوا محمّدا * على الجهاد ما بقينا أبدا « 1 » فجمع بين الاستعمالين ، وقد تقدم هذا بأوضح منه هنا . وقرأ أبو عمرو « أبلغكم » بالتخفيف ، والباقون التشديد . وهذا الخلاف جار هنا في الموضعين ، وفي الأحقاف . والتضعيف والهمزة للتعدية ، كأنزل ، ونزّل . وجمع « رسالة » باعتبار أنواعها من أمر ونهي ، ووعظ وزجر ، وإنذار وإعذار . وقد جاء الماضي على أفعل في قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ « 2 » ، فهذا شاهد لقراءة أبي عمرو ، وجاء على فعّل في قوله : فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ « 3 » فهذا شاهد لقراءة الجماعة . قوله : أَنْ جاءَكُمْ . أي : من أن جاءكم ، فلما حذف الحرف جرى الخلاف المشهور . وقد تقدم الخلاف في هذه الهمزة السابقة على الواو . وقدر الزمخشري على قاعدته معطوفا عليه محذوفا ، تقديره : أكذبتم وعجبتم » . و « مِنْ رَبِّكُمْ » صفة « ذِكْرٌ » . وقوله : « عَلى رَجُلٍ » يجوز أن يكون على حذف مضاف ، أي : على لسان رجل . وقيل : « عَلى » بمعنى « مع » ، أي : مع رجل ، فلا حذف . وقيل : لا حاجة إلى حذف ، ولا إلى تضمين حرف ، لأن المعنى : أنزل إليكم ذكر على رجل ، وهذا أولى ، لأن التضمين في الأفعال أحسن منه في الحروف ، لقوتها وضعف الحروف . وقوله : فِي الْفُلْكِ . يجوز أن يتعلق ب « أنجيناه » ، أي : أنجيناه في الفلك ، ويجوز أن تكون « في » سببية ، أي : بسبب الفلك ، كقوله : « إنّ امرأة دخلت النّار في هرّة » « 4 » ، ويجوز أن يتعلق « فِي الْفُلْكِ » بما تعلق به الظرف الواقع صلة ، أي : الذين استقروا في الفلك معه . و « عَمِينَ » جمع « عم » ، وقد تقدم الكلام على هذه المادة . وقيل هنا : « عم » إذا كان أعمى البصيرة ، غير عارف بأموره ، و « أعمى » أي : في البصر ، قال زهير : 2240 - وأعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم « 5 » هذا قول الليث . وقيل : عم وأعمى بمعنى ، ك خضر وأخضر . وقال بعضهم : « عم » فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها ، ك فرح وضيق ، ولو أريد الحدوث لقيل : عام ، كما يقال : فارح وضائق » . وقد قرىء « قوما عامين » ، حكاها الزمخشري . قوله : أَخاهُمْ هُوداً . « أَخاهُمْ » نصب ب « أَرْسَلْنا » الأولى ، كأنه قيل : لقد أرسلنا نوحا ، وأرسلنا إلى عاد أخاهم ، وكذلك ما يأتي
--> ( 1 ) البيت في الهمع ( 1 / 87 ) ، والدرر ( 1 / 63 ) . ( 2 ) سورة هود ، آية ( 57 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 67 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم .