أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
279
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه حال ، إمّا من « كتاب » ، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف ، وإمّا من مفعول « فَصَّلْناهُ » . وقرأ زيد بن علي « هدى ورحمة بالجر ، وخرجه الكسائي ، والفراء ، على النعت ل كتاب » ، وفيه المذاهب المشهورة في نحو : « برجل عدل » « 1 » . وخرجه غيرهما على البدل منه . وقرأته فرقة « هدى ورحمة » بالرفع ، على إضمار المبتدأ . وقال مكي : « أجاز الفراء والكسائي « هدى ورحمة بالخفض ، يجعلانه بدلا من « عِلْمٍ » ، ويجوز « هُدىً وَرَحْمَةً » بالرفع ، على تقدير : هو هدى ورحمة . وكأنه لم يطلع على أنهما قراءتان مرويتان ، حتى نسبهما على طريق الجواز . و « لِقَوْمٍ » صفة ل « رَحْمَةً » وما عطفت عليه . وقوله : تَأْوِيلَهُ . قد تقدم ذلك في آل عمران « 2 » . وقال الزمخشري ههنا : « والتأويل مادته من همزة وواو ولام ، من آل يؤول » . وقا الخطّابيّ : « أوّلت الشيء : رددته إلى أوله ، واللفظة مأخوذة من الأول . قال الشيخ « 3 » : « وهو خطأ ، لاختلاف المادتين » . و « يَوْمَ » منصوب ب « يَقُولُ » . و « قَدْ جاءَتْ » منصوبة بالقول . و « بِالْحَقِّ » يجوز أن تكون الباء للحال ، وأن تكون للتعدية ، أي جاءوا ملتبسين بالحق ، أو أجاءوا الحقّ . : « مِنْ شُفَعاءَ » « مِنْ » مزيدة في المبتدأ ، و « لَنا » خبر مقدم ، ويجوز أن يكون « مِنْ شُفَعاءَ » فاعلا ، و « مِنْ » مزيدة أيضا ، وهذا جائز عند كل أحد ، لاعتماد الجار على الاستفهام . وقوله : « فَيَشْفَعُوا » منصوب بإضمار « أن » في جواب الاستفهام ، فتكون قد عطفت اسما مؤولا على اسم صريح ، أي : فهل لنا شفعاء ، فشفاعة منهم لنا . قوله : « أَوْ نُرَدُّ » الجمهور على رفع « نُرَدُّ » ، ونصب « فَنَعْمَلَ » . فرفع « نُرَدُّ » على أنه عطف جملة فعلية ، وهي « نُرَدُّ » على جملة اسمية ، وهي « فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا » . ونصب « فَنَعْمَلَ » على ما انتصب عليه « فَيَشْفَعُوا » . وقرأ الحسن برفعهما على ما تقدم ، كذا روى عنه ابن عطية وغيره ، وروى عنه الزمخشري نصب « نردّ » ، ورفع « فنعمل » . وقرأ أبو حيوة وابن أبي إسحاق بنصبهما ، فنصب « نرد » عطفا على « فَيَشْفَعُوا » جوابا على جواب ، ويكون الشفعاء في أحد شيئين ، إمّا في خلاصهم من العذاب ، وإما في رجوعهم للدنيا ليعملوا صالحا ، والشفاعة حينئذ منسحبة على الخلاص أو الرد . وانتصب « فَنَعْمَلَ » نسقا على « فنردّ » ، ويجوز أن يكون « أَوْ نُرَدُّ » من باب : لألزمنك أو تقضيني حقي إذا قدرناه بمعنى : حتى تقضيني ، أو كي تقضيني ، غيّا اللزوم بقضاء الحق ، أو علله به ، فكذلك الآية الكريمة ، أي : حتّى نردّ ، أو كي نردّ ، والشفاعة حينئذ متعلقة بالرد ليس إلّا . وأما عند من يقدّر « أَوْ » بمعنى « إلا » في المثال المتقدم ، وهو سيبويه « 4 » فلا يظهر معنى الآية عليه ، إذ يصير التقدير : هل يشفع لنا شفعاء إلّا أن نردّ ، وهذا استثناء غير ظاهر . وقوله : « ما كانُوا » فاعل « ضَلَّ » ، و « ما » موصولة عائدها محذوف . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 54 ] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 54 ) قوله : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ .
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 125 ) . ( 2 ) آية ( 7 ) . ( 3 ) البحر ( 4 / 306 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 3 / 47 ) .