أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

268

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أن يجعل عشرة أمثاله ، كقوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها « 1 » ، فأقل الضّعف محصور ، وهو المثل ، وأكثره غير محصور . « ومثل هذه المقالة قال الزجاج أيضا ، فإنه قال : « أي : عذابا مضاعفا ، لأن الضّعف في كلام العرب على ضربين ، أحدهما : المثل . والآخر : أن يكون في معنى تضعيف الشيء » . أي : زيادته إلى ما لا يتناهى ، وقد تقدم طرف من هذا في البقرة « 2 » . و « ضِعْفاً » صفة ل « عَذاباً » و « مِنَ النَّارِ » يجوز أن يكون صفة ل « عَذاباً » ، وأن يكون صفة ل « ضِعْفاً » ، ويجوز أن يكون بدلا من « عَذاباً » . وقوله : « لِكُلٍّ » أي : لكلّ فريق من الأخرى والأولى . وقوله : « وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ » قراءة العامة بناء الخطاب ، إمّا خطابا للسائلين ، وإمّا خطابا لأهل الدّنيا ، أي : ولكن لا تعلمون ما أعدّ من العذاب لكلّ فريق . وقرأ أبو بكر عن عاصم بالغيبة ، وهي تحتمل أن يكون الضمير عائدا على الطائفة السائلة تضعيف العذاب ، أو على الطائفتين ، أي : لا يعلمون قدر ما أعدّ لهم من العذاب . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 ) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 ) قوله : فَما . هذه الفاء عاطفة هذه الجملة المنفية على قول اللّه تعالى للسفلة : « لِكُلٍّ ضِعْفٌ » فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا ، وأنا متساوون في استحقاق الضّعف فذوقوا . قال الشيخ « 3 » - بعد أن حكى بعض كلام الزمخشري - : « والذي يظهر أن المعنى انتفاء كون فضل عليهم من السفلة في الدنيا بسبب اتباعهم إيّاهم وموافقتهم لهم في الكفر ، أي : اتباعكم إيانا وعدم اتباعكم سواء ، لأنكم كنتم في الدنيا عندنا أقل من أن يكون لكم علينا فضل باتباعكم ، بل كفرتم اختيارا ، لا أنا حملناكم على الكفر إجبارا ، وأن قوله : « فَما كانَ » جملة معطوفة على جملة محذوفة بعد القول ، دلّ عليها ما سبق من الكلام ، والتقدير : قالت أولاهم لأخراهم : ما دعاؤكم اللّه أنا أضللناكم وسؤالكم ما سألتم ؟ فما كان لكم علينا من فضل بضلالكم ، وأن قوله : « فَذُوقُوا » من كلام الأولى خطابا للأخرى على سبيل التشفي ، وأن ذوق العذاب هو بسبب ما كسبتم ، لا بأنا أضللناكم . وقيل : « فَذُوقُوا » من خطاب اللّه لهم » . و « بِما » الباء سببية ، و « ما » مصدرية ، أو بمعنى « الذي » ، والعائد محذوف ، أي : تكسبونه . وقرأ أبو عمرو : لا تفتح . بضم التاء من فوق والتخفيف ، والأخوان بالياء من تحت والتخفيف أيضا ، والباقون بالتأنيث والتشديد . فالتأنيث والتذكير باعتبار الجمع والجماعة ، والتخفيف والتضعيف باعتبار التكثير وعدمه . والتضعيف هنا أوضح لكثرة

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 160 ) . ( 2 ) آية ( 245 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 296 ) .