أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

256

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنه مفعول معه ، أي : يراكم مصاحبا قبيله . والضمير في « إِنَّهُ » فيه وجهان : الظاهر منهما كما تقدم : أنّه للشيطان . والثاني : أن يكون ضمير الشأن ، وبه قال الزمخشري ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك . و « القبيل » : الجماعة يكونون من ثلاثة فصاعدا من جماعة شتى ، هذا قول أبي عبيد . والقبيلة : الجماعة من أب واحد ، فليست « القبيلة » تأنيث « القبيل » لهذه المغايرة . قوله : مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ « مِنَ » لابتداء غاية الرؤية ، و « حَيْثُ » ظرف لمكان انتفاء الرؤية ، و « لا تَرَوْنَهُمْ » في محل خفض بإضافة الظرف إليه ، هذ هو الظاهر في إعراب هذه الآية . وثمّ كلام مشكل منقول عن أبي إسحاق ، رأيت ذكره لئلا يتوهم صحته من رآه ، قال أبو إسحاق : « ما بعد « حَيْثُ » صلة لها ، وليست بمضافة إليه » . قال الفارسي « هذا غير مستقيم ، ولا يصح أن يكون ما بعد « حَيْثُ » صلة لها ، لأنه إذا كان صلة لها وجب أن يكون للموصول فيه ذكر ، كما أنّ في سائر صلات الموصول ذكرا للموصول ، فخلو الجملة التي بعد « حَيْثُ » من ضمير يعود على « حَيْثُ » دليل على أنها ليست صلة ل « حَيْثُ » ، وإذا لم تكن صلة كانت مضافة . فإن قيل : يقدر العائد في هذا كما يقدر العائد في الموصولات ، فإذا قلت : رأيتك حيث زيد قائم كان التقدير : حيث قيامه . ولو قلت : رأيتك حيث قام زيد كان التقدير : حيث قام فيه ، ثم اتسع في الحرف فحذف ، فاتصل الضمير ، فحذف كما يحذف في قولك : زيد الذي ضربت ، أي : الذي ضربته . قيل : لو أريد ذلك لجاز استعمال هذا الأصل ، فتركهم لهذا الاستعمال دليل على أنه ليس أصلا له . قلت : أبو إسحاق لم يعتقد كونها موصولة بمعنى الذي ، لا يقول بذلك أحد ، وإنما يزعم أنها ليست مضافة للجملة بعدها ، فصارت كالصلة لها ، أي : كالزيادة ، وهو كلام متهافت ، فالرد عليه من هذه الحيثية ، لا من حيث اعتقاده لكونها موصولة . ويحتمل أن يكون مراده أن الجملة لما كانت من تمام معناها ، بمعنى أنها مفتقرة إليها كافتقار الموصول لصلته أطلق عليها هذه العبارة ، ويدل على ما قلته أن مكيا ذكر في علة بنائها فقال : « ولأن ما بعدها من تمامها ، كالصلة والموصول . إلّا أنه يرى أنها مضافة لما بعدها . وقرىء : « من حيث لا ترونه » بالإفراد ، وذلك يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الضمير عائدا على « الشَّيْطانُ » وحده دون قبيله ، لأنه هو رأسهم ، وهم تبع له ، ولأنه المنهي أول الكلام . وأن يكون عائدا عليه وعلى قبيله ، ووحّد الضمير إجراء له مجرى اسم الإشارة في قوله تعالى : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 1 » ، ونظير هذه القراءة قول رؤبة : 2195 - فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق « 2 » وقد تقدم هذا البيت بحكايته معه في البقرة « 3 » قوله : « إِنَّا جَعَلْنَا » يحتمل أن يكون بمعنى « صيّر » ، أي : صيّرنا الشياطين أولياء وقال الزهراوي « جعل » هنا بمعنى وصف . « وهذا لا يعرف في « جعل » ، وكأنه فرار من إسناد جعل الشياطين أولياء إلى اللّه تعالى » ، وكأنها نزعة اعتزالية . و « لِلَّذِينَ » متعلّق ب « أَوْلِياءَ » ، لأنه في معنى الفعل ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف ، لأنه صفة ل « أَوْلِياءَ » .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 68 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) آية ( 68 ) .