أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

253

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فالكلام في قوة حذف موصوف وإقامة صفته مقامه ، فالتقدير : ولباسا ريشا ، أي : ذا ريش . والريش فيه قولان : أحدهما : أنه اسم لهذا الشيء المعروف . والثاني : أنه مصدر ، يقال : راشه يريشه ريشا ، إذا جعل فيه الرّيش ، فينبغي أن يكون « الريش » مشتركا بين المصدر والعين . وهذا هو التحقيق . وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسّلميّ وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء وزر بن حبيش ، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما « ورياشا » . وفيها تأويلان : أحدهما : - وبه قال الزمخشري - : أنه جمع « ريش » ، ك « شعب ، وشعاب » . والثاني : أنه مصدر أيضا ، فيكون « ريش ، ورياش » مصدرين راشه اللّه ريشا ، ورياشا ، أي : أنعم عليه . وقال الزجاج : « هما اللباس » . فعلى هذا هما إسمان للشيء الملبوس ، كما قالوا : لبس ولباس . قلت : وجوّز الفراء أن يكون « رياش » جمع « ريش » ، وأن يكون مصدرا ، فأخذ الزمخشري بأحد القولين ، وغيره بالآخر ، وأنشدوا : 2192 - فريشي منكم وهواي معكم * وإن كانت زيارتكم لماما « 1 » قوله : « وَلِباسُ التَّقْوى » قرأ نافع وابن عامر والكسائي « لباس » بالنصب ، والباقون « لِباسُ » بالرفع . فالنصب نسقا على « لِباساً » ، أي : أنزلنا لباسا مواريا وزينة ، وأنزلنا أيضا لباس التّقوى . وهذا يقوي كون « رِيشاً » صفة ثانية ل لباسا » الأول ، إذ هو أراد أنه صفة « لِباسُ » ثان لأبرز موصوفه ، كما أبرز هذا اللباس المضاف للتقوى . وأما الرفع فمن خمسة أوجه : أحدها : أن يكون « لِباسُ » مبتدأ ، و « ذلِكَ » مبتدأ ثان ، و « خَيْرٌ » خبر الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول ، والرابط هنا اسم الإشارة ، وهو أحد الروابط الخمسة المتفق عليها ، ولنا سادس فيه خلاف تقدم التنبيه عليه . وهذا الوجه هو أوجه الأعاريب في هذه الآية . الثاني : أن يكون « لِباسُ » خبر مبتدأ محذوف ، أي : وهو لباس التّقوى ، وهذا قول أبي إسحاق ، وكأن المعنى بهذه الجملة التفسير للباس المتقدم ، وعلى هذا فيكون قوله : « ذلِكَ » جملة أخرى من مبتدأ وخبر . وقدره مكي بأحسن من تقدير الزجاج ، فقال : « وستر العورة لباس التّقوى » . الثالث : أن يكون « ذلِكَ » فصلا بين المبتدأ وخبره ، وهذا قول الحوفي . ولا أعلم أحدا من النحاة أجاز ذلك ، إلا أنّ الواحدي قال : « ومن قال : إنّ « ذلِكَ » لغو لم يكن على قوله دلالة ، لأنه يجوز أن يكون على أحد ما ذكرنا » . قلت : فقوله : « لغو » هو قريب من القول بالفصل ، لأن الفصل لا محل له من الإعراب ، على قول جمهور النحويين من البصريين والكوفيين . الرابع : أن يكون « لِباسُ » مبتدأ ، و « ذلِكَ » بدل منه ، أو عطف بيان له ، أو نعت ، و « خَيْرٌ » خبره ، وهو معنى قول الزجاج وأبي علي وأبي بكر بن الأنباري ، إلا أن الحوفي قال : « وأنا أرى ألا يكون » ذلك « نعتا » ل « لِباسُ التَّقْوى » ، لأن الأسماء المبهمة أعرف مما فيه الألف واللام ، وما أضيف إلى الألف واللام ، وسبيل النعت أن يكون

--> ( 1 ) تقدم .