أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

249

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

2181 - . . . * وشفاء غيّك خابرا أن تسألي « 1 » أي : أن تسألي خابرا . أو أنه متعلّق بمحذوف على البيان ، أي - أعني - لكما ، كقولهم « سقيا لك ، ورعيا » ، أو تعلق بمحذوف مدلول عليه بصلة « أل » ، أي : إنّي ناصح لكما . ومثل هذه الآية الكريمة : إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ « 2 » ، وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ « 3 » . وجعل ابن مالك ذلك مطردا في مسألة « أل » الموصولة إذا كانت مجرورة ب « من » . و « نصح » يتعدى لواحد تارة بنفسه ، وتارة بحرف الجر ، ومثله « شكر » ، وقد تقدم « 4 » ، و « كال » و « وزن » . وهل الأصل التعدي بحرف الجر ، أو التعدي بنفسه ، أو كل منهما أصل ؟ الراجح الثالث . وزعم بعضهم أن المفعول في هذه الأفعال محذوف ، وأن المجرور باللام هو الثاني ، فإذا قلت : نصحت لزيد ، فالتقدير : نصحت لزيد الرّأي ، وكذلك : شكر له صنعه ، وكلت له طعامه ، ووزنت له متاعه ، فهذا مذهب رابع . وقال الفراء « العرب لا تكاد تقول : نصحتك ، إنّما يقولون : نصحت لك ، وأنصح لك ، وقد يجوز : نصحتك ، قال النابغة : 2182 - نصحت بني عوف ، فلم يتقبّلوا * رسولي ، ولم تنجح لديهم وسائلي « 5 » وهذا يقوي أن اللام أصل . والنّصح : بذل الجهد في طلب الخير خاصة ، وضده : الغش . وأما : نصحت لزيد ثوبه فمتعد لاثنين ، لأحدهما بنفسه ، وللثاني بحرف الجر باتفاق . وكأن النّصح - الذي هو بذل الجهد في الخير - مأخوذ من أحد معنيين . إمّا من « نصح » أي : أخلص ، ومنه : ناصح العسل ، أي : خالصه ، فمعنى « نصحه » : أخلص له الودّ ، وإما من « نصحت الجلد والثّوب » ، إذا أحكمت خياطتهما ، ومنه « الناصح » للخياط ، و « النّصاح » للخيط ، فمعنى « نصحه » ، أي : أحكم رأيه فيه . ويقال : نصحه نصوحا ونصاحة ، قال تعالى : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً « 6 » بضم النون في قراءة أبي بكر . وقال الشاعر - في « نصاحة » - : 2183 - أحببت حبّا خالطته نصاحة * . . . وذلك ك « ذهوب وذهاب » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 22 إلى 24 ] فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 ) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) قوله : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ . الباء للحال ، أي : مصاحبين للغرور ، أو مصاحبا للغرور ، فهي حال إما من الفاعل ، أو من المفعول . ويجوز

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الشعراء ، آية ( 168 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 20 ) . ( 4 ) آية ( 52 ) من سورة البقرة . ( 5 ) انظر ديوانه ( 93 ) ، ابن الشجري ( 1 / 362 ) ، اللسان ( نصح ) . ( 6 ) سورة التحريم ، آية ( 8 ) .