أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

243

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ . جملة معطوفة على جواب القسم أيضا ، وأخبر أنه بعد أن يقعد على الصراط يأتي من هذه الجهات الأربع . ونوّع حرف الجر ، فجر الأولين ب « مِنْ » ، والثانيين ب « عَنْ » لنكتة ذكرها الزمخشري ، قال : « فإن قلت : كيف قيل : « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ » بحرف الابتداء ، « وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » بحرف المجاورة ؟ قلت : المفعول فيه عدّي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به ، فكما اختلفت حروف التعدية في ذلك اختلفت في هذا ، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس ، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط ، فلما سمعناهم يقولون : جلس عن يمينه وعلى يمينه ، وعن شماله وعلى شماله ، قلنا : معنى « على يمينه » : أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه . ومعنى « عن يمينه » : أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملاصق له ، منحرفا عنه ، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ، كما ذكرنا في « تعال » . ونحوه من المفعول به قولهم : رميت على القوس ، وعن القوس ، ومن القوس ، لأن السهم يبعد عنها ويستعليها ، إذا وضع على كبدها للرمي ، ويبتدئ الرمي منها ، فلذلك قالوا : جلس بين يديه وخلفه بمعنى في ، لأنهما ظرفان للفعل ، ومن بين يديه ومن خلفه ، لأن الفعل يقع في بعض الجهتين ، كما تقول : جئته من الليل ، تريد : بعض الليل » . قلت : وهذا كلام من رسخت قدمه في فهم كلام العرب . وقال الشيخ : « وهو كلام لا بأس به » . فلم يوفه حقه . ثم قال : « وأقول : وإنّما خص بين الأيدي والخلف بحرف الابتداء الذي هو أمكن في الإتيان ، لأنهما أغلب ما يجيء العدوّ منهما ، فينال فرصته . وقدم « بين الأيدي » على « الخلف » ، لأنها الجهة التي تدل على إقدام العدوّ وبسالته في مواجهة قرنه غير خائف منه . والخلف ، جهة غدر ومخاتلة وجهالة القرن بمن يغتاله ويتطلب غرته وغفلته . وخص « الأيمان والشمائل » بالحرف الذي يدل على المجاوزة ، لأنهما ليسا بأغلب ما يأتي منهما العدوّ ، وإنما يجاوز إتيانه إلى الجهة التي هي أغلب في ذلك . وقدّمت « الأيمان » على « الشمائل » ، لأنها هي الجهة القوية في ملاقاة العدوّ ، وبالأيمان البطش والدفع ، فالقرن الذي يأتي من جهتها أبسل وأشجع ، إذ جاء من الجهة التي هي أقوى في الدفع ، والشمائل ليست في القوة والدفع كالأيمان » . والأيمان والشمائل : جمعا يمين وشمال ، وهما الجارحتان ، ويجمعان في القلة على أفعل ، قال : 2168 - يأتي لها من أيمن وأشمل « 1 » والشمائل : يعبر بها عن الأخلاق والشيم ، تقول : له شمائل حسنة . ويعبر عن « الحسنات » باليمين ، وعن « السيئات » بالشّمال ، لأنهما منشأ الفعلين الحسن والسيّء . ويقولون : اجعلني في يمينك ولا في شمالك ، قال : 2169 - أبيني : أفيه يمنى يديك جعلتني * فأفرح ، أم صيّرتني في شمالك « 2 » يكنون بذلك عن عظم المنزلة عند الشخص وخسّتها . وقال :

--> ( 1 ) هذا البيت لأبي النجم العجلي انظر الكتاب ( 1 / 221 ) ، الخصائص ( 2 / 130 ) ، الإنصاف ( 1 / 416 ) ، ابن يعيش ( 5 / 41 ) . ( 2 ) البيت لابن الدمينة انظر دلائل الإعجاز ( 73 ) ، الألوسي ( 8 / 95 ) .