أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

241

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 16 ] قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) قوله : فَبِما أَغْوَيْتَنِي . في هذه الباء وجهان : أحدهما : أن تكون قسمية ، وهو الظاهر . والثاني : أن تكون سببية ، وبه بدأ الزمخشري ، قال : « فَبِما أَغْوَيْتَنِي » فبسبب إغوائك إيّاي لأقعدنّ لهم » . ثم قال : « فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي ، كما فسدت بسببهم . فإن قلت : بم تعلّقت الباء ، فإنّ تعلقها ب « لَأَقْعُدَنَّ » يصد عنه لام القسم ، لا تقول : واللّه بزيد لأمرّنّ ؟ قلت : تعلقت بفعل القسم المحذوف ، تقديره : فبما أغويتني أقسم باللّه لأقعدنّ ، أي : فبسبب إغوائك أقسم . ويجوز أن تكون الباء للقسم ، أي : فأقسم بإغوائك لأقعدنّ » . قلت : وهذان الوجهان سبقه إليهما أبو بكر بن الأنباري ، وذكر عبارة قريبة من هذه العبارة . وقال الشيخ « 1 » : « وما ذكره من أن اللام تصد عن تعلق الباء ب « لَأَقْعُدَنَّ » ليس حكما مجمعا عليه ، بل في ذلك خلاف . قلت : أما الخلاف فنعم ، لكنه خلاف ضعيف لا يعتد به أبو القاسم ، والشيخ نفسه قد قال « 2 » - عند قوله تعالى : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ « 3 » في قراءة من كسر اللام في « لَمَنْ » - : « إنّ ذلك لا يجيزه الجمهور » . وسيأتي إليك مبينا إن شاء اللّه تعالى . و « ما » تحتمل ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها مصدرية ، أي فبإغوائك إيّاي . والثاني : أنها استفهامية ، يعني أنه استفهم عن السبب الذي أغواه به ، فقال : فبأي شيء من الأشياء أغويتني ؟ ثم استأنف جملة أقسم فيها بقوله : « لَأَقْعُدَنَّ » ، وهذا ضعيف عند بعضهم ، أو ضرورة عند آخرين ، من حيث إنّ « ما » الاستفهامية إذا جرّت حذفت ألفها ، ولا تثبت إلّا في شذوذ ، كقولهم : « عمّا تسأل » ؟ أو في ضرورة ، كقوله : 2161 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في رماد والثالث : أنها شرطية ، وهو قول ابن الأنباري ، ولا بدّ من إيراد نصه ، قال - رحمه اللّه - : « ويجوز أن تكون « ما » بتأويل الشرط ، والباء من صلة الإغواء ، والفاء المضمرة جواب الشرط ، والتقدير . فبأي شيء أغويتني فلأقعدن لهم صراطك ، فتضمر فاء جواب الشرط ، كما تضمرها في قولك : إلى ما أومأت إني قاتله ، وبما أمرت إنّي سامع مطيع » . وهذا الذي قاله ضعيف جدا ، فإنه على تقدير صحة معناه يمتنع من حيث الصناعة ، فإنّ فاء الجزاء لا تحذف إلّا في ضرورة شعره ، كقوله : 2162 - من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * والشّرّ بالشّرّ عند اللّه مثلان « 4 » أي : فاللّه . وكان المبرد لا يجوّز ذلك ضرورة أيضا ، وينشد البيت المذكور :

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 275 ) . ( 2 ) انظر البحر 4 / 278 . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 18 ) . ( 4 ) تقدم .