أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
237
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
التفسير ، أو جمع باعتبار الأعمال الكثيرة ، وعبر عن الحال بالمحل . والثاني : أما جمع موزون وهي الأعمال ، والجمع حينئذ ظاهر . قوله : بِما كانُوا . متعلّق ب « خَسِرُوا » « 1 » و « ما » مصدرية ، و « بِآياتِنا » متعلّق ب « يَظْلِمُونَ » ، قدم عليه للفاصلة . وتعدى « يَظْلِمُونَ » بالباء ، إمّا لتضمنه معنى التكذيب نحو : كَذَّبُوا بِآياتِنا ، * وإمّا لتضمنه معنى الجحد ، نحو : وَجَحَدُوا بِها « 2 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 ) قوله : وَجَعَلْنا لَكُمْ . يجوز أن تكون بمعنى خلق ، فتعدى لواحد ، فيتعلق الجاران بالجعل ، أو بمحذوف على أنهما حالان من « مَعايِشَ » ، لأنهما لو تأخرا لجاز ، أن يكونا وصفين ، ويجوز أن تكون التصييرية فتتعدى لاثنين ، أولهما : « مَعايِشَ » ، والثاني : أحد الجارين ، والآخر إما حال فيتعلق بمحذوف وإما متعلّقة بنفس الجعل ، وهو الظاهر . و « مَعايِشَ » : جمع « معيشة » ، وفيها ثلاثة مذاهب : مذهب سيبويه والخليل أن وزنها مفعلة بضم العين ، أو « مفعلة » بكسرها . فعلى الأول جعلت الضمة كسرة ، ونقلت إلى فاء الكلمة . وقياس قول الأخفش في هذا النحو أن يغير الحرف ، لا الحركة ، ف « معيشة » عنده شاذة ، إذ كان ينبغي أن يقال : معوشة . وأما على قولنا : إنّ أصلها « معيشة » بكسر العين ، فلا شذوذ فيها . ومذهب الفراء أن وزنها « مفعلة » بفتح العين ، وليس بشيء . والمعيشة : اسم لما يعاش به ، أي : يحيا ، وهي في الأصل مصدر ل « عاش يعيش عيشا وعيشة ، قال تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ « 3 » ، ومعاشا ، قال تعالى : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً « 4 » ، ومعيشا ، قال رؤبة : 2155 - إليك أشكو شدّة المعيش * وجهد أعوام نتفن ريشي « 5 » والعامة على « مَعايِشَ » بصريح الياء ، وقد خرج خارجة فروى عن نافع « معائش » بالهمز . وقال النحويون : « هذه غلطة ، لأنه لا يهمز عندهم إلّا ما كان فيه حرف المد زائدا ، نحو : « صحائف » ، ومدائن » . وأما « مَعايِشَ » فالياء أصل ، لأنها من « العيش » . قال الفارسي - عن أبي عثمان - : « أصل أخذ هذه القراءة من نافع ، قال : « ولم يكن يدري العربية » . قلت : قد فعلت العرب مثل هذا ، فهمزوا « منائر ، ومصائب » جمع « منارة ، ومصيبة » ، والأصل : « مناور ، ومصاوب . وقد غلّط سيبويه « 6 » من قال مصائب . ويعني بذلك أنه غلّطه بالنسبة إلى مخالفة الجادة ، وهذا كما تقدم منه ، أنه قال : « واعلم أن بعضهم يغلط فيقول : إنّهم أجمعون ذاهبون » . قال : ومنهم من يأتي بها على الأصل فيقول : مصاوب ومناور . وهذا كما قالوا في جمع « مقال ومقام » : « مقاوم ، ومقاول » في
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 39 ) . ( 2 ) سورة النمل ، آية ( 14 ) . ( 3 ) سورة الحاقة ، آية ( 21 ) . ( 4 ) سورة النبأ ، آية ( 11 ) . ( 5 ) انظر معاني الفراء ( 2 / 149 ) ، البحر ( 2 / 167 ) . ( 6 ) انظر الكتاب ( 4 / 356 ) .