أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
229
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
سورة الأعراف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص ( 1 ) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) قوله تعالى : المص . قد تقدم الكلام على الأحرف المقطعة في أول هذا الموضوع . قوله : كِتابٌ . يجوز أن يكون خبرا عن الأحرف قبله ، وأن يكون خبرا لمبتدأ مضمر ، أي : هو كتاب ، كذا قدّره الزمخشري . ويجوز أن يكون « كِتابٌ » مبتدأ ، و « أُنْزِلَ » صفته ، و « فلا تكن » خبره ، والفاء زائدة على رأي الأخفش ، أي : كتاب موصوف بالإنزال إليك لا يكن في صدرك حرج منه ، وهو بعيد جدا . والقائم مقام الفاعل في « أُنْزِلَ » ضمير على « الكتاب » ، ولا يجوز أن يكون الجار لئلا تخلو الصفة من عائد . قوله : « مِنْهُ » متعلّق ب « حَرَجٌ » ، و « من » سببية ، أي : حرج بسببه . تقول : حرجت منه ، أي : ضقت بسببه ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة له ، أي : حرج كائن وصادر منه . والضمير في « مِنْهُ » يجوز أن يعود على « الكتاب » وهو الظاهر ، ويجوز أن يعود على الإنزال المدلول عليه ب « أُنْزِلَ » ، أو على الإنذار ، أو على التبليغ المدلول عليهما بسياق الكلام ، أو على التكذيب الذي تضمنه المعنى . والنهي في الصورة للحرج ، والمراد الصادر منه مبالغة في النهي عن ذلك ، كأنه قيل : لا تتعاط أسبابا ينشأ عنها حرج ، وهو من باب لا أرينك ههنا النهي متوجه على المتكلم ، والمراد به المخاطب ، كأنه قال : لا تكن بحضرتي فأراك ، ومثله : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها « 1 » . قوله : لِتُنْذِرَ بِهِ في متعلّق هذه اللام ثلاثة أوجه : أحدها : أنها متعلّقة ب « أُنْزِلَ » ، أي : أنزل إليك للإنذار ، وهذا قول الفراء ، قال : « اللام في « لِتُنْذِرَ » منظوم بقوله : « أُنْزِلَ » على التقديم والتأخير على تقدير : كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن » . وتبعه الزمخشري ، والحوفي ، وأبو البقاء على ذلك وعلى هذا تكون جملة النهي معترضة بين العلة ومعلولها ، وهو الذي عناه الفراء بقوله على التقديم والتأخير .
--> ( 1 ) سورة طه ، آية ( 16 ) .