أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

224

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقد تقدم لك تحقيق هذا في أول السورة « 1 » ، وأنشد سيبويه على ذلك : 2144 - مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت * أعاليها مرّ الرّياح النّواسم وقيل : لأن الإيمان بمعنى : العقيدة ، فهو كقولهم : « أتته كتابي فاحتقرها » ، أي : صحيفتي ورسالتي . وقال النحاس : « في هذا شيء دقيق ذكره سيبويه » ، وذلك أن الإيمان والنفس كل منهما مشتمل على الآخر ، فأنث الإيمان ، إذ هو من النفس وبها ، وأنشد سيبويه « 2 » : مشين كما اهتزّت . . . * . . . البيت « 3 » وقال الزمخشري - في هذه القراءة - : « لكون الإيمان مضافا إلى ضمير المؤنث الذي هو : بعضه ، كقولهم : « ذهبت بعض أصابعه » . قال الشيخ « 4 » : « وهو غلط ، لأن « الإيمان » ليس بعضا للنفس . قلت : قد تقدم آنفا ما يشهد لصحة هذه العبارة من كلام النحاس في قوله عن سيبويه ، وذلك أن الإيمان والنفس كل منهما مشتمل على الآخر ، فأنث الإيمان ، إذ هو من النفس وبها ، فلا فرق بين هاتين العبارتين ، أي : لا فرق بين أن يقول : هو منها وبها ، أو هو بعضها . والمراد في العبارتين المجاز . قوله : لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أنها في محل نصب ، لأنها نعت ل « نَفْساً » ، وفصل بالفاعل وهو « إِيمانُها » بين الصفة وموصوفها ، لأنه ليس بأجنبي ، إذ قد اشترك الموصوف الذي هو المفعول والفاعل في العامل ، فعلى هذا يجوز : ضرب هندا غلامها القرشية . وقوله : أَوْ كَسَبَتْ عطف على لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ . وفي هذه الآية بحوث حسنة ، تتعلق بعلم العربية ، وعليها تنبني مسائل من أصول الدين ، وذلك أن المعتزلي يقول : مجرد الإيمان الصحيح لا يكفي ، بل لا بدّ من انضمام عمل يقترن به ، ويصدقه ، واستدل بظاهر هذه الآية ، وذلك كما قال الزمخشري : « لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ » صفة لقوله : « نَفْساً » ، وقوله : « أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً » عطف على « آمَنَتْ » ، والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت ، وهي آيات ملجئة مضطرة ، ذهب أوان التكليف عندها ، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات ، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا في إيمانها ، فلم يفرّق - كما ترى - بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان ، وبين النفس التي آمنت في وقته ، ولم تكسب خيرا ، ليعلم أن قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ * « 5 » جمع بين قرينتين ، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى ، حتى يفوز صاحبهما ويسعد ، وإلّا فالشقوة والهلاك » . وقد أجاب الناس عن هذا الظاهر ، بأن المعنى بالآية الكريمة : أنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة إيمانها ، الذي أوقعته إذ ذاك ، ولا ينفع نفسا سبق إيمانها ، وما كستب فيه خيرا ، فقد علق نفي الإيمان بأحد وصفين ، إما نفي سبق الإيمان فقط ، وإما سبقه مع نفي كسب الخير ، ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده ، أو السابق ومعه الخير ، ومفهوم الصفة قوي ، فيستدل بالآية لمذهب أهل السنّة ، فقد قلبوا دليلهم دليلا عليهم . « وقد أجاب القاضي ناصر الدين بن المنير ، عن قول الزمخشري ، فقال : قال أحمد : هو يروم الاستدلال على أن الكافر

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 52 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 260 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآيتان ( 25 ، 82 ) .