أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
222
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الوصف بالإنزال ، لأن الكلام مع منكري أن اللّه ينزل على البشر كتابا ، ويرسله رسولا . وأما وصفه بالبركة فهو متراخ عنهم . وجيء بصفة الإنزال جملة فعلية ، أسند الفعل فيها إلى ضمير المعظم نفسه مبالغة في ذلك ، بخلاف ما لو جيء بها اسما مفردا . قوله : أَنْ تَقُولُوا . فيه وجهان ، أحدهما : أنه مفعول من أجله . قال الشيخ « 1 » : « والعامل فيه « أَنْزَلْناهُ » مقدرا مدلولا عليه بنفس « أَنْزَلْناهُ » « الملفوظ به ، تقديره : أنزلناه » أن تقولوا . قال ولا جائز أن يعمل فيه « أَنْزَلْناهُ » الملفوظ به ، لئلا يلزم الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي ، وذلك أن « مُبارَكٌ » إمّا صفة ، وإما خبر ، وهو أجنبي بكل من التقديرين » . وهذا الذي منعه هو ظاهر قول الكسائي والفراء . والثاني : أنها مفعول به ، والعامل فيه : « واتّقوا ، أي : واتّقوا قولكم كيت وكيت . وقوله : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ معترض جار مجرى التعليل ، وعلى كونه مفعولا من أجله يكون تقديره عند البصريين على حذف مضاف ، تقديره : كراهة أن تقولوا ، وعند الكوفيين يكون تقديره : ألّا تقولوا ، كقوله تعالى : رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ « 2 » . أي : ألّا تميد بكم ، وهذا مطرد عندهم في هذا النحو ، وقد تقدم ذلك غير مرة « 3 » . وقرأ الجمهور « تَقُولُوا » بتاء الخطاب ، وقرأ ابن محيصن « يقولوا » بياء الغيبة . قوله : « وَإِنْ كُنَّا » « أَنْ » مخففة من الثقيلة عند البصريين ، وهي هنا مهملة ، ولذلك وليتها الجملة الفعلية ، وقد تقدم تحقيق ذلك ، وأن الكوفيين يجعلونها بمعنى « ما » النافية ، واللام بمعنى « إلّا » ، والتقدير : ما كنا عن دراستهم إلا غافلين . وقال الزجاج بمثل ذلك ، فنحا نحو الكوفيين . وقال قطرب : « أَنْ » بمعنى « قد » ، واللام زائدة . وقال الزمخشري - بعد أن قرر مذهب البصريين ، كما قدّمته - : « والأصل : إنه كنّا عن عبادتهم » . فقدّر لها اسما محذوفا ، هو ضمير الشأن ، كما يقدر النحويون ذلك في « أنّ » بالفتح ، إذا خففت ، وهذا مخالف لنصوصهم ، وذلك أنهم نصوا على أن « إنّ » بالكسر ، إذا خففت ، ووليتها الجملة الفعلية الناسخة ، فلا عمل لها لا في ظاهر ولا مضمر . و « عَنْ دِراسَتِهِمْ » متعلق بخبر « كُنَّا » وهو : « غافلين » وفيه دلالة على بطلان مذهب الكوفيين في زعمهم أن اللام بمعنى « إلّا » ، ولا يجوز أن يعمل ما بعد « إلّا » فيما قبلها ، فكذلك ما هو بمعناها . قال الشيخ « 4 » : « ولهم أن يجعلوا » عنه متعلّقا بمحذوف - وتقدم أيضا خلاف أبي علي في أن هذه اللام ليست لام الابتداء ، بل هي لام أخرى - ويدل أيضا على أن اللام لام ابتداء لزمت للفرق ، فجاز أن يتقدم معمولها عليها لما وقعت في غير ما هو لها أصل ، كما جاز ذلك في : « إنّ زيدا طعامك لآكل » حيث وقعت في غير ما هو لها أصل ، ولم يجز ذلك فيها ، إذا وقعت فيما هو لها أصل ، وهو دخولها على المبتدأ . « وقال أبو البقاء : « واللام في « لَغافِلِينَ » عوض ، أو فارقه بين « إن ، وما » . قلت : قوله : « عوض » عبارة غريبة ، وأكثر ما يقال : إنّها عوض عن التشديد الذي ذهب من « إنّ » ، وليس بشيء .
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 257 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية ( 15 ) . ( 3 ) انظر آية ( 27 ) و ( 90 ) من سورة البقرة . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 257 ) .