أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
214
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
التفسيرية ، بل هي معطوفة على قوله تعالى : تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ أمرهم أولا بأمر يترتب عليه ذكر مناه ، ثم أمرهم ثانيا بأوامر ، وهذا معنى واضح . والثاني : أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي ، وداخلة تحت « أن » التفسيرية ، ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون « أن » مفسّرة له ، وللمنطوق قبله ، الذي دل على حذفه ، والتقدير : وما أمركم به فحذف « وما أمركم » به ، لدلالة : « ما حَرَّمَ » عليه ، لأن معنى : « ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ » : ما نهاكم ربكم عنه ، فالمعنى : تعالوا أتل ما نهاكم ربكم عنه ، « وما أمركم به » ، وإذا كان التقدير هكذا صحّ أن تكون « أن » تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم ، وفعل الأمر المحذوف ، ألا ترى أنه يجوز أن تقول : أمرتك ألا تكرم جاهلا ، وأكرم عالما ، إذ يجوز أن يعطف الأمر على النهي ، والنهي على الأمر ، كما قال : 2132 - . . . * يقولون : لا تهلك أسى وتجمّل « 1 » وهذا لا نعلم فيه خلافا ، بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإنشاء ، فإنّ في جواز العطف فيها خلافا انتهى . الثاني : أن تكون « أن » ناصبة للفعل بعدها ، وهي وما في حيّزها في محل نصب بدلا من « ما حَرَّمَ » . الثالث : أنها الناصبة أيضا ، وهي وما في حيّزها بدل من العائد المحذوف ، إذ التقدير : ما حرّمه ، وهو في المعنى كالذي قبله ، و « لا » على هذين الوجهين زائدة ، لئلا يفسد المعنى ، كزيادتها في قوله تعالى : أَلَّا تَسْجُدَ « 2 » ، و لِئَلَّا يَعْلَمَ « 3 » . قال الشيخ « 4 » : وهذا ضعيف ، لانحصار عموم المحرّم في الإشراك ، إذ ما بعده من الأمر ليس داخلا في المحرّم ، ولا ما بعد الأمر مما فيه لا يمكن ادعاء زيادة « لا » فيه ، لظهور أن « لا » فيه للنهي . « ولما ذكر مكي كونها من : « ما حَرَّمَ » ، لم ينبّه على زيادة « لا » ، ولا بدّ منه . وقد منع الزمخشري أن تكون بدلا من : « ما حَرَّمَ » ، فقال : « فإن قلت : هلّا قلت : عي التي تنصب الفعل ، وجعلت « أَلَّا تُشْرِكُوا » بدلا من « ما حَرَّمَ » ؟ قلت : وجب أن يكون « لا تشركوا » ، و « لا تَقْرَبُوا » ، و « لا تَقْتُلُوا » ، و « لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ » نواهي ، لانعطاف الأوامر عليها ، وهي قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، لأن التقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، وَأَوْفُوا ، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا . فإن قلت : فما تصنع بقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، فيمن قرأ بالفتح ، وإنما يستقيم عطفه على « أَلَّا تُشْرِكُوا » ، إذا جعلت « أن » هي الناصبة ، حتى يكون المعنى : أتل عليكم نفي الإشراك ، وأتل عليكم أنّ هذا صراطي مستقيما ؟ قلت : أجعل قوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً علة للاتباع ، بتقدير اللام ، كقوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً « 5 » . بمعنى : ولأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوا ، والدليل عليه القراءة بالكسر ، كأنه قيل : « واتّبعوا صراطي ، لأنه مستقيم ، أو واتّبعوا صراطي إنّه مستقيم » . واعترض عليه
--> ( 1 ) عجز بيت لامرىء القيس وصدره : وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم * . . . انظر شرح القصائد للتبريزي ( 55 ) مجاز القرآن ( 1 / 171 ) . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية ( 12 ) . ( 3 ) سورة الحديد ، آية ( 29 ) . ( 4 ) انظر البحر 4 / 251 . ( 5 ) سورة الجن ، آية ( 18 ) .