أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
204
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
منصوب بقوله : « لا أجد » وهو صفة لموصوف محذوف ، حذف لدلالة قوله : « عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ » ، والتقدير : لا أجد طعاما محرّما ، و « عَلى طاعِمٍ » متعلق ب « مُحَرَّماً » ، و « يَطْعَمُهُ » في محل جر صفة ل « طاعِمٍ » . وقرأ الباقر ونقلها مكي عن أبي جعفر : « بطّعمه » بتشديد الطاء ، وأصلها : « يطتعمه » افتعالا من الطعم ، فأبدلت التاء طاء ، لوقوعها بعد طاء للتقارب ، فوجب الإدغام ، وقرأت عائشة ومحمد بن الحنفية وأصحاب عبد اللّه بن مسعود : « تطعّمه » بالتاء من فوق وتشديد العين فعلا ماضيا . قوله : « إِلَّا أَنْ يَكُونَ » منصوب على الاستثناء وفيه وجهان أحدهما : أنه متصل قال أبو البقاء : « استثناء من الجنس ، وموضعه نصب ، أي . لا أجد محرّما إلا الميتة » . والثاني : أنه منقطع . قال مكي : « و « أَنْ يَكُونَ » في موضع نصب على الاستثناء المنقطع » . وقال الشيخ « 1 » : و « إِلَّا أَنْ يَكُونَ » استثناء منقطع دلائله كون ، وما قبله عين ، ويجوز أن يكون موضعه نصبا بدلا على لغة تميم ، ونصبا على الاستثناء على لغة الحجاز » . يعني أن الاستثناء المنقطع فيه لغتان ، إحداهما : لغة الحجاز ، وهو وجوب النصب منطلقا ولغة التميميين يجعلونه كالمتصل ، فإن كان في الكلام نفي أو شبهه رجح البدل ، وهنا الكلام نفي ، فرجح نصبه عند التميميين على البدل دون النصب على الاستثناء ، فنصبه من وجهين ، وأما الحجاز فنصبه عندهم من وجه واحد . وظاهر كلام أبي القاسم الزمخشري أنه متصل ، فإنّه قال : « مُحَرَّماً » أي : طعاما محرّما من المطاعم التي حرّمتموها إلا أن يكون ميتة ، إلا أن يكون الشيء المحرّم ميتة » . وقرأ ابن عامر في رواية : « أوحى » الهمزة والحاء مبنيا للفاعل . وقوله تعالى : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ، وقوله : « نَبِّئُونِي » ، وقوله أيضا : « آلذَّكَرَيْنِ » ثانيا ، وقوله : « أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ » : جمل اعتراض بين المعدودات التي وقعت تفصيلا ل « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ » . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف فصل بين المعدود وبين بعضه ، ولم يوال بينه ؟ قلت : قد وقع الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من المعدود ، وذلك أن اللّه عزّ وجلّ منّ على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم ، فاعترض بالاحتجاج على من حرّمها ، والاحتجاج على من حرّمها تأكيد وتشديد للتحليل ، والاعتراضات في الكلام لا تساق إلّا للتوكيد . وقرأ ابن عامر : إلا أن تكون ميتة » بالتأنيث ورفع « ميتة » يعني : إلا أن توجد ميتة ، فتكون تامة عنده ، ويجوز أن تكون الناقصة والخبر محذوف ، تقديره : إلّا أن تكون هناك ميتة ، وقد تقدم ، أن هذا منقول عن الأخفش في قوله - قبل ذلك - : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً « 2 » . وقال أبو البقاء : « ويقرأ برفع « ميتة » على أنّ « تكون » تامة ، وهو ضعيف ، لأن المعطوف منصوب » . قلت : كيف يضعّف قراءة متواترة ؟ وأمّا قوله : لأن المعطوف منصوب ، فذلك غير لازم ، لأن النصب على قراءة من رفع « مَيْتَةً » يكون نسقا على محل « أَنْ يَكُونَ » الواقعة مستثناة ، تقديره : إلّا أن يكون ميتة ، وإلا دما مسفوحا ، وإلّا لحم خنزير . وقال مكي بن أبي طالب : « وقرأ أبو جعفر : « إلّا أن تكون » بالتاء « ميتة » بالرفع . ثم قال : « وكان يلزم أبا جعفر أن يقرأ « أو دم » بالرفع ، وكذلك ما بعده » . قلت : هذه هي قراءة ابن عامر ، نسبها لابن جعفر يزيد بن القعقاع المدني ، شيخ نافع ، وهو محتمل . وقوله : كان يلزمه . . . إلى آخره ، وهو معنى ما ضعّف به أبو البقاء هذه القراءة ، وقد تقدم جواب ذلك . واتفق أن ابن عامر يقرأ : « وإن تكن ميتة » بالتأنيث والرفع ، وهنا كذلك . وقرأ ابن كثير وحمزة « تكون » بالتأنيث ، « مَيْتَةً » بالنصب ، على أن اسم « تكون » مضمر عائد على مؤنث ، أي : إلّا أن تكون المأكولة ، ويجوز أن يعود الضمير من « تكون » على : « مُحَرَّماً » ، وإنما أنث الفعل لتأنيث الخبر ، كقوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ « 3 » بنصب « فِتْنَتُهُمْ » وتأنيث « تَكُنْ » . وقرأ الباقون
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 241 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 139 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 23 ) .