أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

190

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يريد : هما أخوا من لا أخا له في الحرب ، ولانت معتاد مصابرة في الهيجا ، وكأن أصوات أواخر الميس ، وعلائل صدورها . ومن الفصل بالمفعول قول الشاعر : 2092 - فزججتها بمزجّة * زجّ القلوص أبي مزاده « 1 » ويروى : فزججتها فتدافعت - ويروى : فزججتها متمكنا . وهذا البيت كما تقدم أنشده الأخفش بنصب « القلوص » « فاصلا به بين المصدر وفاعله المعنوي ، إلّا أن الفراء قال - بعد إنشاده لهذا البيت - : « ونحويو المدينة ينشدون هذا البيت - يعني بنصب « القلوص » ، قال : والصواب : زجّ القلوص - بالخفض » . قلت : قوله : والصواب - يحتمل أن يكون من حيث الرواية ، أي : أن الصواب خفضه على الرواية الصحيحة ، وأن يكون من حيث القياس ، وإن لم يرو إلا بالنصب . وقال - في موضع آخر من كتابه معاني القرآن - : « وهذا مما كان يقوله نحويو أهل الحجاز ، ولم نجد مثله في العربية » . وقال أبو الفتح في هذا البيت - : « فصل بينهما بالمفعول به . هذا مع قدرته على أن يقول : زجّ القلوص أبو مزادة ، كقولك : سرني أكل الخبز زيد » - يعني أنه كان ينبغي أن يضيف المصدر إلى مفعوله فيبقى الفاعل مرفوعا على أصله ، وهذا معنى قول الفراء الأول : والصواب جرّ « القلوص » يعني : ورفع الفاعل ، ثم قال ابن جني : « وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم ، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول ، ألا تراه ارتكب هذه الضرورة مع تمكنه من تركها ، لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول » . ومن الفصل بالمفعول به أيضا قول الآخر : 2093 - وحلق الماذيّ والقوانس * فداسهم دوس الحصاد الدّائس « 2 » أي : دوس الدائس الحصاد . ومثله أيضا : 2094 - يفرك حبّ السّنبل الكنافج * بالقاع فرك القطن المحالج « 3 » يريد : فرك المخالج القطن . وقول الطرماح : 2095 - . . . * بواديه من قرع القسيّ الكنائن « 4 » يريد : قرع الكنائن القسيّ . قال ابن جني - في هذا البيت - : « لم نجد فيه بدّا من الفصل ، لأن القوافي مجرورة » . وقال في - زجّ القلوص « 5 » - : « فصل بينهما بالمفعول به . هذا مع قدرته . . . إلى آخر كلامه المتقدم . يعني أنه لو أنشد بيت الطرماح بخفض « القسيّ » ورفع « الكنائن » لم يجز ، لأن القوافي مجرورة ، بخلاف بيت الأخفش « 6 » ، فإنه لو خفض « القلوص » ورفع « أبو مزادة لم تختلف فيه قافية ولم ينكسر وزن . قلت : ولو رفع « الكنائن » في البيت لكان جائزا ، وإن كانت القوافي مجرورة ، ويكون ذلك إقواء ، وهو أن يكون بعض القوافي مجرورة ، وبعضها مرفوعة ، كقول امرئ القيس :

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) نسب البيت لعمرو بن كلثوم التغلبي انظر الأشموني ( 2 / 276 ) ، الوساطة ( 465 ) ، شرح الكفاية ( 2 / 986 ) ، الخزانة ( 3 / 461 ) . ( 3 ) البيت لجندل بن المثنى انظر الوساطة ( 465 ) اللسان ( خليج ) . الكنافح : الممتلىء ، المحالج : جمع محلج وهو الآلة التي يحلج بها القطن . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) تقدم .