أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
183
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
حذف المضاف إليه للعلم به ، أي : ولكلّ فريق من الجنّ والإنس . وقوله : « مِمَّا عَمِلُوا » في محل رفع نعتا ل « دَرَجاتٌ » . وقيل : ولكل من المؤمنين خاصة . وقيل : ولكلّ من الكفار خاصة ، لأنها جاءت عقيب خطاب الكفار ، إلا أنه يبعده قوله : « دَرَجاتٌ » . وقد يقال : إنّ المراد بها هنا المراتب ، وإن غلب استعمالها في الخير . وقوله : عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ العامة بالغيبة ردا على قوله : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ ، وقرأ ابن عامر بالخطاب مراعاة لما بعده من قوله : « يُذْهِبْكُمْ » ، « مِنْ بَعْدِكُمْ » ، « أَنْشَأَكُمْ » . قوله : وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ . يجوز أن يكون « الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ » خبران ، أو وصفان ، و « إن يشأ وما بعده خبر الأول ، أو يكون « الْغَنِيُّ » ، و « ذُو الرَّحْمَةِ » خبر ، والجملة الشرطية خبر ثان ، أو مستأنف . وقوله : « ما يَشاءُ » يجوز أن تكون « ما » واقعة على ما هو من جنس الآدميين ، وإنما أتى ب « ما » وهي لغير العاقل ، للإبهام الحاصل ، ويجوز أن تكون واقعة على غير العاقل ، وأنه يأتي بجنس آخر ، ويجوز أن تكون واقعة على النوع من العقلاء ، كما تقدم . قوله : كَما أَنْشَأَكُمْ فيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر على غير الصدر ، لقوله : « وَيَسْتَخْلِفْ » لأن معنى « يَسْتَخْلِفْ » ينشئ . والثاني : أنها نعت مصدر محذوف ، تقديره : استخلافا مثل ما أنشأكم وقوله : مِنْ ذُرِّيَّةِ متعلّق ب أَنْشَأَكُمْ » . وفي « مِنْ » هذه أوجه : أحدها : أنها لابتداء الغاية ، أي : ابتدأ إنشاءكم من ذرّيّة قوم . والثاني : أنها تبعيضية ، قاله ابن عطية . الثالث : بمعنى البدل ، قاله الطبري ، وتبعه مكي بن أبي طالب ، هي كقولك : أخذت من ثوبي درهما ، أي : بدله وعوضه وكون « مِنْ » بمعنى البدل قليل أو ممتنع ، وما ورد منه مؤول ، كقوله : لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً ، وقوله : 2072 - جارية لم تأكل المرقّقا * ولم تذق من البقول الفستقا « 1 » أي : بدلكم ، وبدل البقول ، والمعنى من أولاد قوم متقدمين ، أصلهم آدم . وقال الزمخشري « من أولاد قوم آخرين ، لم يكونوا على مثل صفتكم ، وهم أهل سفينة نوح » . وقرأ أبيّ بن كعب : « ذرّيّة » بفتح الذال ، وأبان بن عثمان « ذريّة » بتخفيف الراء مكسورة ، ويروى عنه أيضا « ذرية » بزنة ضربة ، وقد تقدم تحقيق ذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 134 إلى 136 ] إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 135 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 136 )
--> ( 1 ) تقدم .