أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
161
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وصفا ل « عدوّ » وقد تقدم أنه واقع موقع « أعداء » ، فلذلك عاد الضمير عليه جمعا في قوله : « بَعْضُهُمْ » . قوله : « غُرُوراً » قيل : نصب على المفعول له ، أي : لأن يغروا غيرهم . وقيل : هو مصدر في موضع الحال ، أي غارين ، وأن يكون منصوبا على المصدر ، لأن العامل فيه بمعناه ، كأنه قيل : يغرون غرورا بالوحي . والزّخرف : الزينة ، وكلام مزخرف : منمّق ، وأصله : الذّهب . ولما كان الذّهب معجبا لكل أحد ، قيل لكل مستحسن مزيّن : زخرف . وقال أبو عبيدة : كل ما حسّنته وزيّنته وهو باطل فهو زخرف » . وهذا لا يلزم ، إذ قد يطلق على ما هو زينة حقّ . وبيت مزخرف أي : مزيّن بالنقش ، ومنه الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يدخل الكعبة حتى أمر بالزّخرف فمحي » . يعني أنهم كانوا يزينون الكعبة بنقوش وتصاوير مموهة بالذّهب ، فأمر بإخراجها . قوله : وَما يَفْتَرُونَ « ما » موصولة اسمية ، أو نكرة موصوفة ، والعائد على كلا هذين القولين محذوف ، أي : وما يفترونه . أو مصدرية ، وعلى كل قول فمحلها نصب ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه نسق على المفعول في « فَذَرْهُمْ » ، أي : اتركهم ، واترك افتراءهم . والثاني : أنها مفعول معه ، وهو مرجوح ، لأنه متى أمكن العطف من غير ضعف في التركيب ، أو في المعنى كان أولى من المفعول معه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 113 ] وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) قوله : وَلِتَصْغى . في هذه اللام ثلاثة أوجه : أحدها : أنها « لام » كي ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » ، وفيما يتعلق به احتمالان : الاحتمال الأول : أن يتعلق ب « يُوحِي » ، على أنها نسق على « غُرُوراً » و « غُرُوراً » مفعول له ، والتقدير : يوحي بعضهم إلى بعض للغرور وللصغو . ولكن لما كان المفعول له الأول مستكملا لشروط النصب نصب ، ولما كان هذا غير مستكمل للشروط وصل الفعل إليه بحرف العلة ، وقد فاته من الشروط كونه لم يتحد فيه الفاعل ، فإنّ فاعل الوحي « بَعْضُهُمْ » ، وفاعل الصغو « الأفئدة » ، وفات أيضا من الشروط صريح المصدرية . والاحتمال الثاني : أن يتعلق بمحذوف متأخر بعدها ، فقدره الزجاج : ولتصغى إليه فعلوا ذلك » . وكذا قدّره الزمخشري ، فقال : « وَلِتَصْغى » جوابه محذوف ، تقديره : وليكون ذلك جعلنا لكل نبيّ عدوّا ، على أن اللام لام الصيرورة » . الوجه الثاني : أن اللام لام الصيرورة ، وهي التي يعبرون عنها ب « لام » العاقبة ، وهو رأي الزمخشري ، كما تقدم حكايته عنه آنفا . الوجه الثالث : أنها لام القسم . قال أبو البقاء : إلّا أنها كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون » . وما قاله غير معروف ، بل المعروف في هذا أن هذه لام « كي » ، وهي جواب قسم محذوف ، تقديره : واللّه لتصغى ، فوضع « لِتَصْغى » موضع « لتصغيّن » فصار جواب القسم من قبيل المفرد ، كقولك : « واللّه ليقومنّ زيد » أي : أحلف باللّه