أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
15
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالساكن ، لأنه حاجز غير حصين ، وقد قررت هذه القاعدة بدلائلها في البقرة عند قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ « 1 » . و « بِرُسُلٍ » متعلق ب « اسْتُهْزِئَ » ، و « مِنْ قَبْلِكَ » صفة ل « رسل » ، وتأويله ما تقدم ، في وقوع « من قبل » صلة . قوله : فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا فاعل « حاق » : « ما كانُوا » ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، العائد الهاء في : « بِهِ » ، و « بِهِ » يتعلق ب « يَسْتَهْزِؤُنَ » و « يَسْتَهْزِؤُنَ » خبر ل « كان » و « مِنْهُمْ » متعلق ب « سَخِرُوا » ، على أن الضمير يعود على « الرسل » قال تعالى : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ « 2 » ، ويجوز أن يتعدى بالباء نحو : سخرت به . ويجوز أن يتعلق « مِنْهُمْ » بمحذوف على أنه حال من فاعل « سَخِرُوا » ، والضمير في « مِنْهُمْ » يعود على : الساخرين . وقال أبو البقاء : « على المستهزئين » . وقال الحوفي : على أسم الرسل . وقد ردّ الشيخ « 3 » على الحوفيّ : « بأنه يلزم إعادته على غير مذكور » . وجوابه : أنه في قوة المذكور . ورد على أبي البقاء : بأنه يصير المعنى : فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهئزين ، فلا حاجة إلى هذه الحال لأنها مفهومة من قوله : سخروا » ، وجوزوا أن تكون « ما » مصدرية ، ذكره الشيخ « 4 » ، ولم يتعرض للضمير في « بِهِ » . والذي يظهر أنه يعود على الرسول الذي يتضمنه الجمع ، فكأنه قيل : فحاق بهم عاقبة استهزائهم بالرسول المندرج في جملة « الرسل » . وأما على رأي الأخفش وابن السراج فيعود على « ما » المصدرية ، لأنها اسم عندهما . و « حاق » ألفه منقلبة عن ياء بدليل : يحيق ، كباع يبيع ، والمصدر « حيق » ، وحيوق ، وحيقان ، كالغليان والنزوان ، وزعم بعضهم أنه من الحوق ، وهو : المستدير بالشيء ، وبعضهم : أنه من الحقّ ، فأبدلت إحدى القافين ياء ، كتظنيت ، وهذان ليسا بشيء ، أما الأول فلاختلاف المادة ، إلّا أن يريدوا الاشتقاق الأكبر . وأما الثاني : فلأنها دعوى مجردة من غير دليل . ومعنى « حاق » أحاط ، وقيل : عاد عليه وبال مكره ، قاله الفراء وقيل : دار . والمعنى يدور على الإحاطة والشمول ، ولا يستعمل إلّا في الشر ، قال الشاعر : 1880 - فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم * وحاق بهم من بأس ضبّة حائق « 5 » وقال الراغب : « قيل : وأصله : حقّ ، فقلب ، نحو : زلّ وزال ، وفد قرىء « فأزلّهما ، وأزالهما » « 6 » ، وعلى هذا : ذمّه وذامه وقال الأزهري : جعل أبو إسحاق : حاق بمعنى أحاط . وكأن مأخذه من « الحوق ، وهو ما استدار بالكمرة « 7 » . قال : وجاز أن يكون الحوق فعلا من حاق يحيق ، كأنه في الأصل حيق ، فقلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها » . وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل « ما كانُوا » ، نقل الواحدي عن أكثر المفسرين ذلك ، أي : عقوبة ما كانوا ، أو جزاء ما كانوا ، ثم قال : وهذا إذا جعلت « ما » عبارة عن القرآن والشريعة ، وما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن جعلت « ما » عبارة عن العذاب الذي كان عليه السّلام توعدهم به إن لم يؤمنوا ، استغنيت عن تقدير المضاف ، والمعنى : فحاق بهم العذاب الذي يستهزئون به وينكرونه » . والسخرية : الاستهزاء والتهكم ، يقال سخر منه وبه ، ولا يقال إلّا استهزأ به ، فلا يتعدى بمن . وقال الراغب : سخرته إذا سخرته للهزء منه ، يقال : رجل سخرة ، بفتح الخاء ، إذا كان يسخر من غيره ، وسخرة ، بسكونها إذا كان يسخر منه . ومثله ضحكة ، وضحكة ، ولا ينقاس .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 173 ) . ( 2 ) سورة هود ، آية ( 38 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 81 ) . ( 4 ) انظر المصدر السابق . ( 5 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 66 ) ، المحرر الوجيز لابن عطية ( 2 / 496 ) ، روح المعاني ( 7 / 102 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 36 ) . ( 7 ) رأس الذكر انظر اللسان « كمر » .