أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
149
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : الفصل بالمفعول . والثاني : كون التأنيث مجازيا . و « البصائر » جمع بصيرة ، وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء ، ومنه قيل للدم الدال على القتيل : بصيرة . والبصيرة مختصة بالقلب ، كالبصر بالعين ، هذا قول بعضهم . وقال الراغب : « ويقال لقوّة القلب المدركة بصيرة وبصر ، قال تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى « 1 » . « وقد تقدم تحقيق هذا في أوائل البقرة « 2 » . مِنْ رَبِّكُمْ يجوز أن يتعلق بالفعل قبله ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لما قبله ، أي : بصائر كائنة من ربّكم ، و « مِنْ » في الوجهين لابتداء الغاية مجازا . قوله : فَمَنْ أَبْصَرَ يجوز أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة ، فالفاء جواب الشرط على الأول ، ومزيدة في الخبر ، لشبه الموصول باسم الشرط على الثاني . ولا بدّ قبل لام الجر من محذوف يصح به الكلام ، والتقدير : فالإبصار لنفسه ، ومن عمي فالعمى عليها . فالإبصار والعمى مبتدآن ، والجار بعدهم هو الخبر ، والفاء داخلة على هذه الجملة الواقعة جوابا أو خبرا ، وإنما حذف مبتدؤها للعلم به ، وقدّر الزجاج قريبا من هذا ، فقال : « فلنفسه نفع ذلك ، ومن عمي فعليها ضرر ذلك » . وقال الزمخشري : فمن أبصر الحق ، وآمن فلنفسه أبصر ، وإياها نفع . ومن عمي فعليها ، أي : فعلى نفسه عمي ، وإياها ضرّ . قال الشيخ : « وما قدرناه من المصدر أولى ، وهو : فالإبصار والعمى ، لوجهين : أحدهما : أن المحذوف يكون مفردا ، لا جملة ، والجار يكون عمدة لا فضلة ، وفي تقديره هو المحذوف جملة ، والجار والمجرور فضلة . والثاني - وهو أقوى ، وذلك أنه لو كان التقدير فعلا لم تدخل الفاء سواء كانت « مِنْ » شرطية أم موصولة مشبهة بالشرط ، لأن الفعل الماضي إذا لم يكن دعاء ولا جامدا ووقع جواب شرط أو خبر مبتدأ مشبه بالشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط ولا في خبر المبتدأ لو قتل : « من جاءني فأكرمته » ، لم يجز ، بخلاف تقديرنا ، فإنّه لا بدّ فيه من الفاء ، ولا يجوز حذفها إلّا في الشعر . قلت : هذا التقدير الذي قدره الزمخشري مسبوق إليه ، سبقه إليه الكلبي ، فإنّه قال : « فمن أبصر صدّق وآمن بمحمد صلّى اللّه عليه وآله فلنفسه عمل ، ومن عمي فلم يصدّق فعلى نفسه جنى العذاب . « وقوله : إن الفاء لا تدخل فيما ذكر . « قد ينازع فيه . وإذا كانوا فيما يصلح أن يكون جوابا صريحا ، ويظهر فيه أثر الجازم كالمضارع يجوز فيه دخول الفاء ، نحو : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ « 3 » ، فالماضي بدخولها أولى وأحرى » . قوله : وَكَذلِكَ . الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، فقدره الزجاج : « ونصرّف الآيات مثل ما صرّفناها فيما تلي عليكم . « وقدّره غيره : « نُصَرِّفُ الْآياتِ في غير هذه السورة تصريفا مثل التصريف في هذه السورة » . قوله : وَلِيَقُولُوا الجمهور على كسر اللام ، وهي لام « كي » ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » فهو في تأويل مصدر مجرور بها ، على ما عرف غير مرة . وسماها أبو البقاء ، وابن عطية : لام الصيرورة ، كقوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً « 4 » ، كقوله :
--> ( 1 ) سورة النجم ، آية ( 17 ) . ( 2 ) آية ( 7 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 95 ) . ( 4 ) سورة القصص ، آية ( 8 ) .