أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

144

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الفراء ومنه الحديث في الملاعنة : « إن ولدته أحمر مثل الينعة » « 1 » ، وهي خرزة حمراء ، وقيل : هي العقيق ، أو نوع منه . ويقال : ينعت تينع ، بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل ، هذا قول أبي عبيد ، وأنشد : 2034 - في قباب حول دسكرة * حولها الزّيتون قد ينعا « 2 » وقال الليث بعكس هذا ، أي : بكسرها في الماضي ، وبفتحها في المستقبل . وناس بهذه ختام هذه الآية بقوله : « لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » كون ما تقدم دالا على وحدانيته وإيجاده المصنوعات المختلفة ، فلا بدّ لها من مدبر ، مع أنها نابتة من أرض واحدة ، وتسقى بماء واحد وهذه الدلائل إنما تنفع المؤمنين المتدبرين دون غيرهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 100 ] وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) قوله : شُرَكاءَ الْجِنَّ . الجمهور على نصب « الْجِنَّ » وفيه خمسة أوجه : أحدها : - وهو الظاهر - : أن « الْجِنَّ » هو المفعول الأول ، والثاني : هو « شُرَكاءَ » قدم ، و « لِلَّهِ » متعلق ب « شُرَكاءَ » ، والجعل هنا بمعنى التصيير ، وفائدة التقديم ، كما قال الزمخشري : « استعظام أن يتخذ للّه شريك من كان ملكا ، أو جنيا ، أو إنسيا ، ولذلك قدم اسم اللّه على الشّركاء انتهى » . ومعنى كونهم جعلوا الجنّ شركاء للّه ، هو أنهم يعتقدون أنهم يخلقون المضار والحيات والسباع كما جاء في التفسير . وقيل : ثمّ طائفة من الملائكة يسمون الجن ، كان بعض العرب يعبدها . : أن يكون « شُرَكاءَ » مفعولا أول ، و « لِلَّهِ » متعلّق بمحذوف ، على أنه المفعول الثاني ، و « الْجِنَّ » بدل من « شُرَكاءَ » ، أجاز ذلك الزمخشري ، وابن عطية ، والحوفي ، وأبو البقاء ، ومكي بن أبي طالب ، إلّا أن مكيا لما ذكر هذا الوجه ، جعل اللام من « لِلَّهِ » متعلّقة ب « جعل » ، فإنّه قال : « الْجِنَّ » مفعول أول ل « جعل » ، « شُرَكاءَ » مفعول ثان مقدم ، واللام في « لِلَّهِ » متعلّقة ب « شُرَكاءَ » وإن شئت جعلت « شُرَكاءَ » مفعولا أول و « الْجِنَّ » بدلا من « شُرَكاءَ » ، و « لِلَّهِ » في وضع المفعول الثاني ، واللام متعلّقة ب « جعل » . قلت : بعد أن جعل « لِلَّهِ » مفعولا ثانيا كيف يتصور أن تجعل اللام متعلّقة بالجعل ؟ هذا ما لا يجوز أنه لما صار مفعولا ثانيا تعين تعلقه بمحذوف على ما عرفته غير مرة . قال الشيخ « 3 » : « وما أجازه - يعني : الزمخشري ومن ذكر معه - لا يجوز ، لأنه لا يصح للبدل أن يحل محل المبدل منه ، فيكون الكلام منتظما لو قلت : وجعلوا للّه الجنّ ، لم يصح ، وشرط البدل أن يكون على نية تكرار العامل على أشهر القولين ، أو معمولا للعامل في المبدل منه على قول ، وهذا لا يصح هنا البتة لما ذكرنا . « قلت : هذا القول

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 8 / 449 ) ، كتاب التفسير ( 4745 ) ، ومسلم ( 2 / 1129 ) ، كتاب اللعان ( 1 / 1492 ) . ( 2 ) اختلف في نسبة هذا البيت والبعض بنسبة للأحوص والبعض ينسبه ليزيد بن معاوية وبعض ينسبه لعبد الرحمن بن حسان انظر مجاز القرآن ( 1 / 202 ) ، الكامل ( 1 / 384 ) ، الخزانة ( 7 / 312 ) ، اللسان ( ينع ) . الدسكرة بناء حوله بيوت للأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي وينع أي نضج واستوى . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 193 ) .