أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
120
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لماضي الواقع حالا أضمرها هنا ، أي : وقد علّمتم . قوله : قُلِ اللَّهُ الجلالة يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون فاعلة بفعل محذوف ، أي : قل : أنزله اللّه ، وهذا هو الصحيح ، للتصريح بالفعل في قوله : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ « 1 » . والثاني : أنه مبتدأ ، والخبر محذوف ، تقديره : اللّه أنزله ، ووجه مناسبته مطابقة الجواب للسؤال ، وذلك أن جملة السؤال اسمية ، فلتكن جملة الجواب كذلك . قوله : فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ يجوز أن يكون « فِي خَوْضِهِمْ » متعلّقا ب « ذَرْهُمْ » ، وأن يتعلق ب « يَلْعَبُونَ » ، وأن يكون حالا من مفعول « ذَرْهُمْ » ، وأن يكون جالا من فاعل « يَلْعَبُونَ » ، فهذه أربعة أوجه . وأما « يَلْعَبُونَ » فيجوز أن يكون حالا من مفعول « ذَرْهُمْ » ، ومن منع أن يتعدد الحال لم يجز حينئذ أن يكون « فِي خَوْضِهِمْ » حالا من مفعول « ذَرْهُمْ » ، بل يجعله إمّا متعلّقا ب « ذَرْهُمْ » كما تقدم ، أو ب « يَلْعَبُونَ » ، أو حالا من فاعله ، ويجوز أن يكون « يَلْعَبُونَ » حالا من ضمير « خَوْضِهِمْ » ، وجاز ذلك ، لأنه في قوة الفاعل ، لأن المصدر مضاف لفاعله ، لأن التقدير : « ذرهم يخوضوا لاعبين » ، وأن يكون حالا من الضمير في « فِي خَوْضِهِمْ » إذ جعلناه حالا ، لأنه تضمن معنى الاستقرار ، فتكون حالا متداخلة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 92 ] وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 ) قوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ . فيه دليل على تقدم الصفة غير الصريحة على الصريحة ، وأجيب عنه بأن « مُبارَكٌ » خبر مبتدأ مضمر ، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله : بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ « 2 » . وقال الواحدي : و « مُبارَكٌ » خبر الابتداء ، فصل بينهما بالجملة ، والتقدير : وهذا كتاب مبارك أنزلناه ، كقوله : و هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ « 3 » . وهذا الذي ذكره لا يتمشى إلا على أن قوله : « مُبارَكٌ » خبر ثان ل « هذا » وهو بعيد جدا ، وإذا سلم ذلك له فيكون « أَنْزَلْناهُ » عنده اعتراض على ظاهر عبارته ، ولكن لا يحتاج إلى ذلك ، بل يجعل « أَنْزَلْناهُ » صفة ل « كِتابٌ » ، ولا محذور حينئذ على هذا التقدير . وفي الجملة فالوجه ما قدمته لك من الإعراب . وقدم وصفه بالإنزال على وصفه بالبركة ، بخلاف قوله : هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ ، قالوا : لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال ، إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل اللّه على بشر من شيء ، بخلاف هناك وقعت الصفة الأولى جملة فعلية ، لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا ، والثانية اسما صريحا ، لأن لاسم يدل على الثبوت والاستقرار ، وهو مقصود هنا ، أي : بركة ثابتة مستقرة . و « مُصَدِّقُ » صفة أيضا ، أو خبر بعد خبر ، على القول بأن « مُبارَكٌ » خبر لمبتدأ مضمر ، ووقع صفة للنكرة ، لأنه في نية الانفصال ، كقوله : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا « 4 » : 1991 - يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم * . . . « 5 »
--> ( 1 ) سورة الزخرف ، آية ( 9 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 54 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 50 ) . ( 4 ) سورة الأحقاف ، آية ( 24 ) . ( 5 ) صدر بيت لجرير وعجزه : . . . * لاقى مباعدة منكم وحرمانا انظر ديوانه ابن يعيش ( 3 / 51 ) ، معاني الفراء ( 2 / 15 ) .