أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
112
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الحال لا يضرّ ذلك ، لأن الواو بنفسها رابطة . وانظر إلى حسن هذا النظم السوي حيث جعل متعلق الخوف الواقع منه الأصنام ، ومتعلق الخوف الواقع منهم إشراكهم باللّه غيره تركا لأن يعادل الباري تعالى بأصنامهم ، لو أبرز التركيب على هذا فقال : ولا تخافون اللّه ، مقابلة لقوله : وكيف أخاف معبوداتكم . وأتى ب « ما » في قوله : « ما أَشْرَكْتُمْ » ، وفي قوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً لأنهم غير عقلاء ، إذ هي جماد : أحجار وخشب كانوا ينحتونها ويعبدونها . وقوله : « ما لَمْ يُنَزِّلْ » مفعول ل « أَشْرَكْتُمْ » ، وهي موصولة اسمية ، أو نكرة ، ولا تكون مصدرية لفساد المعنى . و « بِهِ » ، « عَلَيْكُمْ » متعلّقان ب « يُنَزِّلْ » ، ويجوز في « عَلَيْكُمْ » وجه آخر ، وهو أن يكون حالا من « سُلْطاناً » ، لأنه لو تأخر عنه لجاز أن يكون صفة . وقرأ الجمهور « سُلْطاناً » ساكن اللام حيث وقع . وقرى بضمها ، وهل هي لغة مستقلة فيثبت بها بناء « فعلان » بضم الفاء والعين ، أو هي اتباع حركة لأخرى ؟ وقوله : « فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ » لم يقل : أينا أحقّ نحن أم أنتم ، إلزاما لخصمه بما يدعيه عليه ، ولأنه لا يزكي القائل نفسه ، وهذا بخلاف قول الآخر : 1986 - فلئن لقيتك خاليين لتعلمن * أيّي وأيّك فارس الأحزاب « 1 » فلله فصاحة القرآن وآدابه . وقوله : « إِنْ كُنْتُمْ جوابه محذوف ، أي : فأخبروني . ومتعلّق العلم محذوف ، ويجوز ألا يراد له مفعول ، أي : إن كنتم من ذوي العلم . قوله : الَّذِينَ آمَنُوا . هل هو من كلام إبراهيم ، أو من كلام قومه ، أو من كلام اللّه تعالى ، ثلاثة أقوال للعلماء ، وعليها يترتب الإعراب . فإن قلنا : إنّها من كلام إبراهيم جوابا عن السؤال في قوله : « فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ » ، وكذا إن قلنا : إنها من كلام قومه ، وإنّهم أجابوا بما هو حجة عليهم كان الموصول خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين آمنوا . وإن جعلناه من كلام اللّه تعالى ، وأنه أمر نبيّه بأن يجيب به السؤال المتقدم فكذلك أيضا . وإن جعلناه لمجرد الإخبار من الباري تعالى كان الموصول مبتدأ ، وفي خبره أوجه : أحدها : أنه الجملة بعده ، فإن « أُولئِكَ » مبتدأ ثان ، و « الْأَمْنُ » مبتدأ ثالث ، و « لَهُمُ خبره ، والجملة خبر « أُولئِكَ » ، و « أُولئِكَ » وخبره خبر الأول . الثاني : أن يكون « أُولئِكَ » بدلا ، أو عطف بيان ، و « لَهُمُ » خبر الموصول ، و « الْأَمْنُ » فاعل به لاعتماده . « الثالث : كذلك ، إلا أن « لَهُمُ » خبر مقدم ، و « الْأَمْنُ » مبتدأ مؤخر ، والجملة خبر الموصول . الرابع : أن يكون « أُولئِكَ » مبتدأ ثانيا ، و « لَهُمُ » خبره ، و الْأَمْنُ » فاعل به ، والجملة خبر الموصول . الخامس - وإليه ذهب أبو جعفر النحاس ، والحوفي - : أن « لَهُمُ الْأَمْنُ » خبر الموصول ، وأن « أُولئِكَ فاصلة » ، وهو غريب ، لأن الفصل من شأن الضمائر ، لا من شأن أسماء الإشارة ، وأما على قولنا بأن « الَّذِينَ » خبر مبتدأ محذوف ، فيكون « « أُولئِكَ » مبتدأ فقط ، وخبره الجملة بعده ، أو الجارّ وحده ، و « الْأَمْنُ » فاعل به ، والجملة الأولى على هذا منصوبة بقول مضمر ، أي : قل لهم : هم الّذين آمنوا ، إن كانت من كلام الخليل ، أو قالوا : هم الذين ، إن كانت من كلام قومه . وقوله : وَلَمْ يَلْبِسُوا يجوز فيه وجهان :
--> ( 1 ) تقدم .