أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

110

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

واعلم أنّ حذف النون في هذا النحو جائز فيصح ، ولا يلتفت إلى قول من منع ذلك إلّا في ضرورة أو قليل من الكلام ، ولهذا عيب على مكي بن أبي طالب ، حيث قال : الحذف بعيد في العربية ، قبيح مكروه ، وإنّما يجوز في الشعر للوزن ، والقرآن لا يحتمل ذلك فيه ، إذ لا ضرورة تدعو إليه » . وتجاسر بعضهم فقال : هذه القراءة - أعني : تخفيف النون - لحن » . وهذان القولان مردودان ، لتواتر ذلك ، وقد قدمت الدليل على صحته لغة ، وأيضا فإن الثقات نقلوا أنها لغة ثابتة للعرب ، وهم غطفان ، فلا معنى لإنكارها . و « فِي اللَّهِ » متعلق ب « أَ تُحاجُّونِّي » ، لا ب « حاجَّهُ » ، والمسألة من باب التنازع ، وأعمل الثاني ، لأنه لمّا أضمر في الأول حذف ، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني من غير حذف ، ومثله : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ « 1 » ، كذا قال الشيخ ، وفيه نظر من حيث إنّ المعنى ليس على تسلط « وَحاجَّهُ » على قوله : « فِي اللَّهِ » ، إذ الظاهر انقطاع الجملة القولية بما قبلها ، وقوله : « فِي اللَّهِ » أي : في شأنه ووحدانيته . قوله : « وَقَدْ هَدانِ » في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أظهرهما : أنه الياء في « أَ تُحاجُّونِّي » أي : أتجادلونني فيه حال كوني مهديا من عنده . والثاني : أنه حال من « اللَّهِ » أي : أتخاصموني فيه حال كونه هاديا لي ، فحجتكم لا تجدي شيئا لأنها داحضة . قوله : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة ، أخبر عليه السّلام بأنه لا يخاف ما يشركون به ربّا ، ثقة به ، وكانوا قد خوفوه من ضرر يحصل له بسبب سبّ آلهتهم . ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال باعتبارين . أحدهما : أن تكون ثانية عطفا على الأولى فيكون الحالان من الياء في : « أَ تُحاجُّونِّي » . والثاني : أنها حال من الياء في « هداني » ، فتكون جملة حالية من بعض جملة حالية ، فهي قريبة من الحال المتداخلة ، إلّا أنه لا بدّ من إضمار مبتدأ على هذا الوجه ، قبل الفعل المضارع ، لما تقدم من أنّ الفعل المضارع المنفي ب « لا » حكمه حكم المثبت من حيث إنّه لا تباشره الواو . و « ما » يجوز فيها الأوجه الثلاثة ، أن تكون مصدرية ، وعلى هذا فالهاء في « بِهِ » لا تعود على « ما » عند الجمهور بل تعود على « اللَّهِ » تعالى ، والتقدير : ولا أخاف إشراككم باللّه ، والمفعول محذوف ، أي : ما تشركون غير اللّه به . وأن تكون بمعنى « الّذي » ، وأن تكون نكرة موصوفة ، والهاء في « بِهِ » على هذين الوجهين ، تعود على « ما » ، والمعنى : ولا أخاف الّذي تشركون اللّه به ، فحذف المفعول أيضا ، كما حذفه في الوجه الأول . وقدّر أبو البقاء قبل الضمير مضافا ، فقال : ويجوز أن تكون الهاء عائدة على « ما » ، أي : ولا أخاف الّذي تشركون بسببه » . ولا حاجة إلى ذلك . قوله : « إِلَّا أَنْ يَشاءَ » في هذا الاستثناء قولان : أظهرهما : أنه متصل . والثاني : أنه منقطع . والقائلون بالاتصال اختلفوا في المستثنى منه ، فجعله الزمخشري زمانا ، فقال : « إلّا وقت مشيئة ربّي شيئا يخاف ، فحذف « الوقت » ، يعني : لا أخاف معبوداتكم في وقت قط ، لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة ، إلّا إذا شاء ربّي » . وجعله أبو البقاء حالا فقال : « تقديره : إلّا في حال مشيئة ربّي ، أي : لا أخافها في

--> - الأشمونى ( 1 / 123 ) ، الدرر ( 1 / 41 ) . ( 1 ) سورة النساء ، آية ( 176 ) .