أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
10
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ومن تبعيضية ، والأولى لابتداء الغاية . وقال الحوفي : من الثانية بدل من من الأولى . « وهذا لا يعقل فهو وهم بين . ويجوز أن تكون كم عبارة عن الزمان ، فتنصب على الظرف . قال أبو البقاء : « تقدير : كم أزمنة أهلكنا فيها ، وجعل أبو البقاء على هذا الوجه من قرن هو المفعول به ، ومن مزيدة فيه » . وجاز ذلك لأن الكلام غير موجب ، والمجرور نكرة . إلا أن الشيخ « 1 » منع ذلك بأنه لا يقع إذا ذاك المفرد موقع الجمع لو قلت : كم أزمانا ضربت رجلا ، أو كم مرة ضربت رجلا ، لم يكن مدلول رجل رجالا ، لأن السؤال إنما وقع عن عدد الأزمنة ، أو المرات التي ضربت فيها ، وبأن هذا ليس موضع زيادة من لأنها لا تزاد في الاستفهام ألا وهو استفهام محض ، أو يكون بمعنى النفي . والاستفهام هنا ليس محضا ، ولا مرادا به النفي » . انتهى . والجواب عما قاله لا نسلم ذلك . قوله : مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ في موضع جر صفة ل « قَرْنٍ » وعاد الضمير عليه جمعا باعتبار معناه ، قاله أبو البقاء ، والحوفي . وضعفه الشيخ « 2 » بأن من قرن تمييز ل « كَمْ » ، ف « كَمْ » هي المحدث عنها بالإهلاك ، فتكون هي المحدث عنها بالتمكين ، لا ما بعدها ، إذ من قرن يجري مجرى التبيين ولم يحدث عنه » . وجوز الشيخ : أن تكون هذه الجملة استئنافا جوابا لسؤال مقدر . قال « 3 » : كأنه قيل : ما كان من حالهم ؟ فقيل : مكناهم ، وجعله هو الظاهر . « وفيه نظر ، فإن النكرة مفتقرة للصفة ، فجعلها صفة أليق . والفرق بين قوله : « مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ » أنّ مكّنه في كذا : أثبته فيها . ومنه : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ « 4 » . وأمّا : مكّن له ، فمعناه : جعل له مكانا ومنه : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ « 5 » ، أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ « 6 » ، ومثله : أرّض له ، أي : جعل له أرضا ، هذا قول الزمخشري . وأما الشيخ فإنّه يظهر من كلامه التسوية بينهم ، فإنه قال « 7 » : « وتعدى مكن هنا للذوات بنفسه وبحرف الجر ، والأكثر تعديته باللام : مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ « 8 » ، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ « 9 » ، أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ « 10 » . وقال أو عبيدة : مكّنّاهم ومكّنّا لهم لغتان فصيحتان ، نحو : نصحته ونصحت له » . قلت : وبهذا قال أبو عليّ ، والجرجانيّ . قوله : « ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ » في ما هذه خمسة أوجه : أحدها : أن تكون موصولة بمعنى الذي ، وهي حينئذ صفة لموصوف محذوف والتقدير : التمكين الذي لم نمكن لكم ، والعائد محذوف أي : الذي لم نمكنه لكم . الثاني : أنها نكرة صفة لمصدر محذوف ، تقديره : تمكينا ما لم نمكنه لكم ، ذكرهما الحوفي . ورد الشيخ « 11 » الأول بأن ما بمعنى الذي لا تكون صفة لمعرفة ، وإن كان الذي يقع لها لو قلت : ضربت الضرب
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) . ( 3 ) انظر المصدر السابق . ( 4 ) سورة الأحقاف ، آية ( 26 ) . ( 5 ) سورة الكهف ، آية ( 84 ) . ( 6 ) سورة القصص ، آية ( 57 ) . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) . ( 8 ) سورة يوسف ، آية ( 21 ) . ( 9 ) سورة الكهف ، آية ( 84 ) . ( 10 ) سورة القصص ، آية ( 57 ) . ( 11 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 76 ) .