أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

93

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ : في هذا الظرف أوجه : أحدها : أن يكون منصوبا بيختصمون . الثاني : أنه بدل من « إِذْ يَخْتَصِمُونَ » وهو قول الزجاج . وفي هذين الوجهين بعد ، من حيث إنه يلزم اتحاد زمان الاختصام وزمان قول الكلام ، ولم يكن ذلك لأنّ وقت الاختصام كان صغيرا جدا ووقت قول الملائكة بعد ذلك بأحيان . وقد استشعر الزمخشري هذا السؤال فأجاب بأنّ الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول : لقيته سنة كذا » يعني أنّ اللقاء إنما يقع في بعض السنة فكذا هذا . الثالث : أن يكون بدلا من « إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ » أولا ، وبه بدأ الزمخشري كالمختار له ، وفيه بعد لكثرة الفاصل بين البدل والمبدل منه . الرابع : نصبه بإضمار فعل . والوحي : الإشارة السريعة ، ولتضمّن السرعة ، قيل : « أمر وحي » وقيل : هو إلقاء معنى الكلام إلى معنى من يريد إعلامه ، والوحي يكون بالرمز والإشارة قال : 1286 - لأوحت إلينا والأنامل رسلها « 1 » وقوله تعالى : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا أي : أشار إليهم ، ويكون بالكتابة ، قال زهير : 1287 - أتى العجم والآفاق منه قصائد * بقين بقاء الوحي في الحجر الأصمّ « 2 » ويطلق الوحي على الشيء المكتوب ، قال : 1288 - فمدافع الرّيّان عرّي رسمها * خلقا كما ضمن الوحيّ سلامها « 3 » قيل : الوحيّ جمع : وحي كفلس وفلوس ، وكسرت الحاء اتباعا . والوحي : الإلهام : « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ » « 4 » ، والوحي للرسل يكون بأنواع مذكورة في التفسير . قوله : بِكَلِمَةٍ مِنْهُ في محلّ جر صفة لكلمة ، والمراد بالكلمة هنا عيسى ، سمّي كلمة لوجوده بها وهو قوله : « كُنْ فَيَكُونُ » فهو من باب إطلاق السبب على المسبّب . و « اسْمُهُ » مبتدأ ، و « الْمَسِيحُ » خبره . و « عِيسَى » بدل منه أو عطف بيان . قال أبو البقاء : « ولا يكون خبرا ثانيا لأنّ تعدّد الأخبار يوجب تعدّد المبتدأ ، والمبتدأ هنا مفرد ، وهو قوله : « اسْمُهُ » ولو كان عيسى خبرا آخر لكان أسماؤه أو أسماءها على تأنيث الكلمة » قلت : هذا على رأي ، وأما من يجيز ذلك فقد أعرب عيسى خبرا ثانيا ، وأعربه بعضهم خبر مبتدأ محذوف أي . هو عيسى ، فهذه ثلاثة أوجه في « عِيسَى » ، ويجوز

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 454 . ( 2 ) البيت لكعب بن زهير انظر ديوانه ( 64 ) ، البحر المحيط 2 / 454 ، تفسير الطبري 6 / 406 ، وليس كما أوهم نص المصنف أنه لزهير بن أبي سلمى . ( 3 ) البيت للبيد بن أبي ربيعة انظر ديوانه 310 ، شرح المعلقات ( 4 ) سورة النحل ، آية ( 68 ) .