أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
84
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأبى قوم وقالوا ليس هذا الرّأي حيّا * إنّما كان صوابا أن يجيبوا بيحيّا كيف قد ردّوا يحيّا * والّذي اختاروا يحيّا أتراهم في ضلال أم ترى وجها يحيّا قلت : هذا جار مجرى الألغاز في تصغير هذه اللفظة ، وذلك يختلف بالتصريف والعمل ، وهو أنه إذا اجتمع في آخر الاسم المصغّر ثلاث ياءات جرى فيه خلاف بين النحاة بالنسبة إلى الحذف والإثبات وأصل المسألة تصغير « أحوى » « 1 » وقد أتقنت هذه الأبيات وحرّرت مذاهب التصريفين فيها حين سئلت عنها في غير هذا الموضوع إذ لا يحتمله . وينسب إلى يحيى : يحييّ بحذف الألف تشبيها لها بالزائد نحو : حبليّ في : حبلى ، ويحيويّ بالقلب لأنها أصل كألف ملهويّ ، أو شبيهة بالأصل إن كان أعجميا ، ويحياوي بزيادة ألف قبل قلب ألفه واوا . والنداء : رفع الصوت ، يقال : نادى نداء ونداء بضم النون وكسرها ، والأكثر في الأصوات مجيئها على الضم نحو : البكاء والصّراخ والدّعاء والرّغاء « 2 » . وقيل : المكسور مصدر والمضموم اسم ، ولو عكس هذا لكان أبين لموافقته نظائره من المصادر . وقال يعقوب بن السكيت : « إذا ضممت نونه قصرته وإن كسرتها مددته » وأصل المادة يدلّ على الرفع . ومنه المنتدى والنادي لاجتماع القوم فيها وارتفاع أصواتهم . وقالت قريش : دار الندوة ، لارتفاع أصواتهم عند المشاورة والمحاورة فيها ، وفلان أندى صوتا من فلان أي : أرفع ، هذا أصله في اللغة ، وفي العرف صار ذلك لأحسنهما نغما وصوتا ، والنّدى : المطر ، ومنه : ندي يندى ، ويعبّر به عن الجواد ، كما يعبّر بالمطر والغيث وأخواتهما عنه استعارة . قوله : مُصَدِّقاً حال من « يحيى » وهذه حال مقدّرة ، وقال ابن عطية : « هي حال مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم السّلام » . و « بِكَلِمَةٍ » متعلق ب « مُصَدِّقاً » . وقرأ أبو السّمّال : « بكلمة » بكسر الكاف وسكون اللام ، وهي لغة فصيحة ، وذلك أنه أتبع الفاء للعين في حركتها فالتقى بذلك كسرتان ، فحذف الثانية لأجل الاستثقال . والكلمة قيل : المراد بها الجمع ؛ إذ المقصود التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اللّه تعالى المنزّلة ، فعبّر عن الجمع ببعضه ، ومثل هذا قوله عليه السّلام : « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد » « 3 » يريد قوله : 1265 - ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم لا محالة زائل « 4 » وذكر لحسان رضي اللّه عنه الحويدرة الشاعر فقال : « لعن اللّه كلمته » يعني قصيدته ، وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى : « إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ » « 5 » . قوله : مِنَ اللَّهِ في محلّ جر صفة لكلمة متعلق بمحذوف أي : بكلمة كائنة من اللّه . و سَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا
--> ( 1 ) الحوة : سواد إلى خضرة . ( 2 ) صوت ذوات الخف ، وهو صوت الإبل . اللسان : رغا 1684 . ( 3 ) أخرجه البخاري 10 / 537 ، كتاب الأدب ( 6147 ) ، ومسلم 4 / 1768 ، كتاب الشعراء ( 3 / 2256 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 64 ) .