أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

74

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بذلك نفسها تسلّيا لها ، واعتذارا للّه تعالى حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته من سدانة بيت المقدس . قال الزمخشري - وقد ذكر هذه القراءة : « تعني ولعلّ للّه تعالى فيه سرا وحكمة ، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها » . وفي قولها « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ » التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إذ لو جرت على مقتضى قولها : « رَبِّ » لقالت : « وأنت أعلم » . وقرأ الباقون : وَضَعَتْ بتاء التأنيث الساكنة على إسناد الفعل لضمير مريم عليهاالسّلام ، وهو من كلام الباري تبارك وتعالى ، وفيه تنبيه على عظم قدر هذا المولود ، وأنّ له شأنا لم تعرفيه ، ولم تعرفي إلا كونه أنثى لا غير ، دون ما يؤول إليه من أمور عظام وآيات واضحة ، قال الزمخشري : « ولتكلّمها بذلك على وجه التحزّن والتحسّر قال اللّه تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه ، ومعناه : واللّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين ، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا فلذلك تحسّرت » . وقد رجّح بعضهم القراءة الثانية على الأولى بقوله : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ » قال : « لو كان من كلام أم مريم لكان التركيب : « وأنت أعلم » وقد تقدّم جواب هذا وأنه التفات . وقرأ ابن عباس : « وضعت » بكسر التاء على أنها تاء المخاطبة ، خاطبها اللّه تعالى بذلك بمعنى : أنك لا تعلمين قدر هذه المولودة ، ولا قدر ما علمه اللّه فيها من عظائم الأمور . قوله : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى هذه الجملة تحتمل أن تكون معترضة ، وأن يكون لها محلّ ، وذلك بحسب القرءات المذكورة في وضعت ، كما سيمرّ بك تفصيله . والألف واللام في « الذَّكَرُ » يحتمل أن تكون للعهد ، والمعنى : ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها . قال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى قولها : « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » ؟ قلت هو بيان ل « ما » في قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ من التعظيم للموضوع ، والرفع منه ، ومعناه : وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها ، والألف واللام فيهما للعهد وأن تكون للجنس على أن مرادها أنّ الذكر ليس كالأنثى في الفضل والمزيّة ؛ إذ هو صالح لخدمة المتعبّدات وللتحرير ولمخالطة الأجانب بخلاف الأنثى ، وكان سياق الكلام على هذا يقتضي أن يدخل النفي على ما استقر وحصل عندها وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المقصود منه ، فكان التركيب : وليس الأنثى كالذكر ، وإنما عدل عن ذلك لأنها بدأت بالأهمّ بما كانت تريده . وهو المتلجلج في صدرها والحائك في نفسها فلم يجر لسانها في ابتداء النطق إلا به فصار التقدير : وليس جنس الذكر مثل جنس الأنثى لما بينهما من التفاوت فيما ذكر . ولولا هذه المعاني التي استنبطها العلماء وفهموها عن اللّه تعالى لم يكن لمجرد الإخبار بالجملة الليسية معنى ؛ إذ كلّ أحد يعلم أنّ الذكر ليس كالأنثى . وقوله : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ هذه الجملة معطوفة على قوله : « إِنِّي وَضَعْتُها » على قراءة من ضمّ التاء في قوله « وضعت » فتكون هي وما قبلها في محلّ نصب بالقول ، والتقدير : قالت إني وضعتها ، وقالت : واللّه أعلم بما وضعت ، وقالت : وليس الذكر كالأنثى ، وقالت : إني سميتها مريم . وأما على قراءة من سكن التاء أو كسرها فيكون « إِنِّي سَمَّيْتُها » أيضا معطوفا على « إِنِّي وَضَعْتُها » ، ويكون قد فصل بين المتعاطفين بجملتي اعتراض كقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ قاله الزمخشري .