أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
71
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنه « اذكر » مقدرا ، فيكون مفعولا به لا ظرفا أي : اذكر لهم وقت قول امرأة عمران كيت وكيت ، وإليه ذهب أبو الحسن وأبو العباس « 1 » . الثاني : أن الناصب له معنى الاصطفاء أي ب « اصْطَفى » مقدرا مدلولا عليه باصطفى الأول ، والتقدير : واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران ، وعلى هذا يكون قوله : « وَآلَ عِمْرانَ » من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات ، إذ لو جعل من عطف المفردات لزم أن يكون وقت اصطفاء آدم وقت قول امرأة عمران كيت وكيت ، وليس كذلك لتغاير الزمانين ، فلذلك اضطررنا إلى تقدير عامل غير هذا الملفوظ ، وإلى هذا ذهب الزجاج وغيره . الثالث : أنه منصوب ب « سَمِيعٌ » وبه صرّح ابن جرير الطبري . وإليه نحا الزمخشري ظاهرا فإنه قال : « أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها ، و « إِذْ » منصوب به » . قال الشيخ « 2 » : « ولا يصحّ ذلك لأن قوله « عَلِيمٌ » : إمّا أن يكون خبرا بعد خبر أو وصفا لقوله : « سَمِيعٌ » ، فإن كان خبرا فلا يجوز الفصل بين العامل والمعمول لأنه أجنبي عنهما ؛ وإن كان وصفا فلا يجوز أن يعمل « سَمِيعٌ » في الظرف لأنه قد وصف ، واسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وصف قبل أخذ معموله لا يجوز له إذ ذاك أن يعمل ، على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك ، ولأنّ اتصافه تعالى بسميع عليم لا يتقيّد بذلك الوقت » قلت : وهذا العذر غير مانع لأنه يتّسع في الظرف وعديله ما لا يتّسع في غيره ، ولذلك يقدّم على ما في حيز « أل » الموصولة وما في حيز « أن » المصدرية . الرابع : أن تكون « إِذْ » زائدة وهو قول أبي عبيدة ، والتقدير : قالت امرأة ، وهذا عند النحويين غلط ، وكان أبو عبيدة يضعّف في النحو . قوله : مُحَرَّراً في نصبه أوجه : أحدها : أنه حال من الموصول وهو « ما فِي بَطْنِي » ، فالعامل فيها « نَذَرْتُ » . الثاني : أنه حال من الضمير المرفوع بالجار لوقوعه صلة ل « ما » ، وهو قريب من الأول ، فالعامل في هذه الحال الاستقرار الذي تضمّنه الجارّ والمجرور . الثالث : أن ينتصب على المصدر ؛ لأن المصدر يأتي على زنة اسم المفعول من الفعل الزائد على ثلاثة أحرف ، وعلى هذ فيجوز أن يكون في الكلام حذف مضاف تقديره نذرت لك ما في بطني نذر تحرير ، ويجوز أن يكون ممّا انتصب على المعنى ؛ لأن المعنى « نَذَرْتُ لَكَ » حرّرت ما في بطني تحريرا . ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قوله تعالى : وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ « 3 » ، وقوله : وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ « 4 » في قراءة من فتح الراء ، أي : كلّ تمزيق ، وفما له من إكرام ، ومثله قول الشاعر : 1246 - ألم تعلم مسرّحي القوافي * فلاعيّا بهنّ ولا اجتلابا « 5 » أي : تسريحي القوافي .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 437 . ( 2 ) غير مخرج في الأصل . ( 3 ) سورة سبأ ، آية ( 19 ) . ( 4 ) سورة الحج ، آية ( 18 ) . ( 5 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 62 ) ، الكتاب 1 / 119 ، الخصائص 1 / 367 ، ابن الشجري 1 / 42 .