أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
69
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والأمد : غاية الشيء ومنتهاه وجمعه آماد نحو : جبل وأجبال فأبدلت الهمزة ألفا ولوقوعها ساكنة بعد همزة « أفعال » . وقال الراغب : « الأمد والأبد يتقاربان . لكنّ الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حدّ محدود ، ولا يتقيّد فلا يقال : أبد كذا ، والأمد مدة لها حدّ مجهول إذا أطلق ، وينحصر إذا قيل : أمد كذا ، كما يقال : زمان كذا ، والفرق بين الأمد والزمان : أنّ الأمد يقال باعتبار الغاية ، والزمان عام في المبدإ والغاية ، ولذلك قال بعضهم : المدى والأمد يتقاربان » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 31 إلى 34 ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 32 ) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ( 33 ) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 34 ) قوله تعالى : تُحِبُّونَ اللَّهَ : قرأ العامة : « تُحِبُّونَ » بضم حرف المضارعة من أحبّ ، وكذلك « يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ » . وقرأ أبو رجاء العطاردي : تحبّون ، يحببكم بفتح حرف المضارعة وهما لغتان : يقال حبّه يحبّه بضم الحاء وكسرها في المضارع ، وأحبّه يحبّه ، وقد تقدم القول في ذلك في البقرة . نقل الزمخشري أنه قرىء « يحبّكم » بفتح الباء والإدغام وهو ظاهر ، لأنه متى سكّن المثلين جزما أو وقفا جاز فيه لغتان : الفكّ والإدغام ، وسيأتي تحقيق ذلك في المائدة . وقرأ الجمهور : « فَاتَّبِعُونِي » بتخفيف النون وهي للوقاية ، وقرأ الزهري بتشديدها ، وخرّجت على أنه ألحق الفعل نون التوكيد وأدغمها في نون الوقاية ، كان ينبغي له أن يحذف واو الضمير لالتقاء الساكنين ، إلا أنه شبّه ذلك بقوله : أَ تُحاجُّونِّي « 1 » وهو توجيه ضعيف ، ولكن هو يصلح لتخريج هذا الشذوذ . وقد طعن الزجاج على من روى عن أبي عمرو إدغام الراء من « يَغْفِرْ » في لام « لَكُمْ » وقال : « هو خطأ وغلط على أبي عمرو » وقد تقدّم تحقيق ذلك وأنه لا خطأ ولا غلط ، بل هذه لغة للعرب نقلها الناس ، وإن كان البصريون - كما يقول الزجاج - لا يجيزون ذلك . قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا : هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون مضارعا والأصل : « تتولّوا » فحذف إحدى التاءين ، وقد تقدم الكلام على ذلك ، وعلى هذا الكلام جار على نسق واحد وهو الخطاب . والثاني : أن يكون ماضيا مسندا لضمير غيب ، فيجوز أن يكون من باب الالتفات ، ويكون المراد بالغيب المخاطبين في المعنى ، وهو نظير قوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ « 2 » . قوله : وَنُوحاً : « نوح » اسم أعجمي لا اشتقاق له عند محققي النحويين ، وزعم بعضهم أنه مشتق من النّواح ، وهذا كما تقدم لهم في آدم وإسحاق ويعقوب ، وهو منصرف وإن كان فيه علتان فرعيتان : العلمية والعجمة الشخصية لخفة بنائه بكونه ثلاثيا ساكن الوسط ، وقد جوّز بعضهم منعه قياسا على « هند » وبابها لا سماعا إذ لم يسمع إلا مصروفا .
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 80 ) . ( 2 ) سورة يونس ، آية ( 22 ) .