أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
67
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
على مذهب من جعل أن الفاء منه محذوفة . وأمّا المتقدمون فاختلفوا في تخريج الرفع : فذهب سيبويه « 1 » إلى أن ذلك على سبيل التقديم وأن جواب الشرط ليس مذكورا عنده . وذهب المبرد « 2 » والكوفيون إلى أنه هو الجواب . وإنما حذفت منه الفاء ، والفاء يرتفع ما بعدها كقوله تعالى : « وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ » « 3 » ، فأعطيت في الإضمار حكمها في الإظهار . وذهب غيرهما إلى أن المضارع هو الجواب بنفسه أيضا كالقول قبله ، إلا أنه ليس معه فاء مقدّرة قالوا : لكن لمّا كان فعل الشرط ماضيا لا يظهر لأداة الشرط فيه عمل ظاهر استضعفوا أداة الشرط فلم يعملوها في الجواب لضعفها ، فالمضارع المرفوع عند هذا القائل جواب بنفسه من غير نيّة تقديم ولا على إضمار الفاء ، وإنما لم يجزم لما ذكر ، وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان . وتلخص من هذا الذي قلناه أنّ رفع المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطا لكن امتنع أن يكون « وَما عَمِلَتْ » شرطا لعلة أخرى ، لا لكون « تَوَدُّ » مرفوعا ، وذلك على ما نقرره على مذهب سيبويه من أن النية بالمرفوع التقديم ، ويكون إذ ذاك دليلا على الجواب لا نفس الجواب فنقول : إذا كان « تَوَدُّ » منويّا به التقديم أدّى إلى تقدّم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة في العربية ، ألا ترى أن الضمير في قوله « بَيْنَهُ » عائد على اسم الشرط الذي هو « ما » فيصير التقدير : « تود كلّ نفس لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ما عملت من سوء » فلزم من هذا التقدير تقديم المضمر على الظاهر وذلك لا يجوز . فإن قلت : لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخّر عن اسم الشرط وإن كانت النية به التقديم ، فقد حصل عود الضمير على الاسم الظاهر قبله ، وذلك نظير : « ضرب زيدا غلامه » فالفاعل رتبته التقديم ووجب تأخّره لصحة عود الضمير ؟ فالجواب أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه لعود الضمير فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل ، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء ، لا دليله ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل ، بل إنها تعمل في جملة الجزاء ، وجملة الدليل لا موضع لها من الإعراب ، وإذا كان كذلك تدافع الأمر ، لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل الشرط ومن حيث عود الضمير على اسم الشرط اقتضاها فتدافعا ، وهذا بخلاف « ضرب زيدا غلامه » فإنها جملة واحدة ، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معا ، فكلّ واحد منهما يقتضي صاحبه ، ولذلك جاز عند بعضهم « ضرب غلامها هندا » لاشتراك الفاعل المضاف إلى الضمير والمفعول الذي عاد عليه الضمير في العامل ، وامتنع « ضرب غلامها جار هند » لعدم الاشتراك في العامل ، فهذا فرق ما بين المسألتين ، ولا يحفظ من لسان العرب : « أودّ لو أن أكرمه أيا ضربت هند » لأنه يلزم منه تقديم المضمر على مفسره في غير المواضع التي ذكرها النحويون ، فلذلك لا يجوز تأخيره . انتهى » . وقد جوّز أبو البقاء كونها شرطية ، ولم يلتفت لما منعوا به ذلك فقال : والثاني : أنها شرط ، وارتفع « تَوَدُّ » على إرادة الفاء ، أي : فهي تودّ ، ويجوز أن يرتفع من غير تقدير حرف لأن الشرط هنا ماض ، وإذا لم يظهر في الشرط لفظ الجزم جاز في الجزاء الوجهان : الجزم والرفع » . انتهى وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك ، والظاهر موافقته للقول الثالث في تخريج الرفع في المضارع كما تقدّم تحقيقه .
--> ( 1 ) انظر الكتاب 1 / 436 . ( 2 ) المقتضب 2 / 69 . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 95 ) .